نظام الحكومة النبوية - الكتاني، عبد الحي - الصفحة ٢١ - المقدمة الأولى
قلت: فيه نظر؛ لأن المراد بالسلطان هنا الإمام الأعظم خليفة اللّه، و قد أطلق الفقهاء ذلك عليه كما بيناه. و في حكمه بالسلطنة و الفتيا و القضاء المذكور في القواعد للسبكي كما سيأتي ا ه منه.
و قال الإمام فخر المالكية، أبو العباس القرافي في الفروق في الفرق السادس و الثلاثين، بين قاعدة تصرفه (صلى الله عليه و سلم) بالقضاء، و بين قاعدة تصرفه بالفتوى، و هي التبليغ و بين قاعدة تصرفه بالإمامة: اعلم أن رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) هو الإمام الأعظم و القاضي الأحكم و المفتي الأعلم، فهو (صلى الله عليه و سلم) إمام الأئمة و قاضي القضاة و عالم العلماء، فجميع المناصب الدينية فوّضها اللّه إليه في رسالته، و هو أعظم من كل من تولّى منصبا منها في ذلك المنصب إلى يوم القيامة، فما من منصب ديني إلا و هو متصف به في أعلى رتبة، غير أن غالب تصرفه (صلى الله عليه و سلم) بالتبليغ و الفتوى إجماعا.
و منها ما يجمع الناس على أنه بالقضاء، و منها ما يجمع الناس على أنه بالإمامة، و منها ما يختلف العلماء فيه لتردده بين رتبتين فصاعدا، فمنهم من تغلب عليه رتبته و منهم من تغلب عليه أخرى، ثم تصرفاته (عليه السلام) بهذه الأوصاف تختلف آثارها في الشريعة.
ا ه كلامه الجليل فقف عليه ص ٣٤٦. من الجزء الأول.
و قد عدّ القاضي عياض في الشفاء من أسمائه (صلى الله عليه و سلم) السلطان. قال الشهاب الخفاجي في شرحها: و له معان منها البرهان و الملك و النبوة و الغلبة، و يعم إرادة كل منها هنا و سمّي (صلى الله عليه و سلم) بهذا في كتاب شعيب و بعض الكتب القديمة ا ه و في همزية البوصيري في حق الصحابة:
و بأصحابك الذين هم بع * * * ك فينا الهداة و الأوصياء
أحسنوا بعدك الخلافة في الد * * * ين و كل لما تولى إزاء
أغنياء نزاهة فقراء * * * علماء أيمة أمراء
أرخصوا في الدنا نفوس ملوك * * * حاربوها أشلاءها أشلاء
قال الشمس ابن عبد الرحمن في شرحه على قوله: أمراء تولوا الإمارة و أمور المسلمين، في حياته و بعد وفاته (عليه السلام). و قاموا فيها بحق اللّه كما يجب و ينبغي، فهو على أقوم موازين العدل و أحقها.
و قال الحافظ في الفتح على حديث الصحيح «لا حسد إلا في اثنتين رجل آتاه اللّه ما لا فسلطه على هلكته في الحق و آخر آتاه اللّه حكمة فهو يقضي بها و يعلمها» [١]. في الحديث الترغيب في ولاية القضاء لمن استجمع شروطه، و قوي على إعمال الحق، و وجد له أعوانا لما فيه الأمر بالمعروف و نصر المظلوم، و أداء الحق لمستحقه، و كف يد الظالم، و الإصلاح
[١] هو الحافظ العراقي في شرحه لصحيح الإمام البخاري المشهور و اسمه فتح الباري و الحديث في كتاب الزكاة ج ٢ ص ١١٢ من حديث ابن مسعود.