نظام الحكومة النبوية - الكتاني، عبد الحي - الصفحة ٣٥٤ - باب في الطبيب
أن يكون معنى الحديث في الطبيبين أنهما استويا في القدر المجزي منهما المحصل للغرض، و زاد أحدهما بأمور تكميلية لا يضر تركها، و لا ينقص من معرفة العلاج و المعاناة، فزاد بمعرفة الطبيعيات فحينئذ يكون تفضيل أحدهما على الآخر غيبة، و أما حيث يكون المرجوح منهما لا يحصل المقصود منه في التطبب؛ فالظاهر أن التعريف بذلك ليس غيبة ا ه منه. فاستفيد من القصة ذكر عياض عن القابسي قصة الطبيبين النصرانيين و حضور المصطفى (عليه السلام) معهما.
و قد أخرج ابن سعد في ترجمة معيقيب الدوسي من الطبقات: عن محمود بن لبيد في قصة الأكل مع المجذوم. و فيها: و كان عمر يطلب الطب من كل من سمع له تطبب، و القصة مبسوطة في كنز العمال ص ١٩١ من ج ٥.
و خرّج مالك و ابن أبي شيبة و ابن جرير، و الخرائطي في مكارم الأخلاق، و البيهقي عن عمرة بنت عبد الرحمن أن أبا بكر دخل على عائشة و هي تشتكي، و يهودية ترقيها.
فقال أبو بكر أرقيها بكتاب اللّه عز و جل.
و أخرج ابن جرير عن عمرة أن عائشة كانت ترقيها يهودية، فدخل عليها أبو بكر (رضي الله عنه) و كان يكره الرقي فقال: ارقيها بكتاب اللّه.
و قد عقد فصلا للتطبب بالكافر و الذمي الإمام ابن مفلح الحنبلي في كتابه المسمى «الآداب الشرعية الكبرى» فنقل فيه عن الإمام شيخ الإسلام ابن تيمية: إذا كان اليهودي أو النصراني خبيرا بالطب ثقة عدلا جاز له أن يتطبب، كما يجوز له أن يودعه المال، و أن يعامله كما قال تعالى: وَ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ [آل عمران:
٧٥] و في الصحيح: أن النبي (صلى الله عليه و سلم) لما هاجر استأجر رجلا يهوديا خريتا، و الخرّيت الماهر بالهداية و استأمنه و ائتمنه على نفسه و ماله، و كانت خزاعة عيبة [أي وفية] لرسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) مسلمهم و كافرهم و قد روي أن النبي (صلى الله عليه و سلم) أمر أن يستطب الحارث بن كلدة، و كان كافرا و إذا أمكنه أن يستطب مسلما فهو كما لو أمكنه أن يودعه أو يعامله فلا ينبغي أن يعدل، و أما إذا احتاج إلى ائتمان الكيل أو استطبابه فله ذلك، و لم يكن من ولاية اليهودي و النصراني المنهي عنها، و إذا جاز طبه و مخاطبته بالتي هي أحسن كان حسنا قال تعالى: وَ لا تُجادِلُوا أَهْلَ الْكِتابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ [العنكبوت: ٤٦] ا ه كلامه.
و قال الخطابي على حديث صلح الحديبية، و بعث النبي (صلى الله عليه و سلم) عينا له من خزاعة و قبوله خبره، فيه دليل على جواز قبول المتطبب الكافر فيما يخبر به عن صفة العلة، و وجه العلاج إذا كان غير متهم بما يصفه، و كان غير مظنون به الريبة ا ه.
و في بدائع الفوائد للحافظ ابن القيم، في استئجار النبي (صلى الله عليه و سلم) عبد اللّه بن أريقط الدؤلي هاديا في وقت الهجرة و هو كافر، دليل على جواز الرجوع إلى الكافر في الطب و الكحل