ميراثان في كتاب الله (العُجب) - الآصفي، الشيخ محمد مهدي - الصفحة ٧٩ - قصّة صاحب الجنّتين
طريقته وأسلوبه في فهم النعمة والتعامل معها في النمط الأوّل من الشخصية ، وهو النمط القرآني ، يتكرّس ارتباط النعمة بالله تعالى وهو بمعنى فقر الإنسان إلى الله تعالى وليّ النعمة ، ولذلك فإنّ السمة البارزة في هذه الشخصية هي ( الفقر ) إلى الله تعالى ، يقول الله تعالى : ( يَا أَيّهَا النّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللّهِ وَاللّهُ هُوَ الْغَنِيّ الْحَمِيدُ ) ، [ فاطر : ١٥ ] .
وأروع تصوير لهذه الحالة من ( الأنا ) ورد في القرآن في قصّة موسى بن عمران (عليه السلام) عندما وقف في الظل يستريح بعدما سقى لابنتي شعيب : ( رَبّ إِنّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ ) ، [ القصص : ٢٤ ] .
والأنا في هذه الآية الكريمة تقع بين نعمة نازلة من الله : ( لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيّ ) ، وفقرٍ صاعد إلى الله : ( فَقِيرٌ ) . أحدهما ينتهي إلى الإنسان من الله تعالى وهو النعمة والرحمة ، والآخر ينطلق من الإنسان إلى الله وهو الفقر .
و( الأنا ) بين هذا الخطّ الصاعد والخطّ النازل ، وهذا هو الوضع الصحيح للأنا في الارتباط بالنعمة ، والنمط القرآني للشخصية .
وهذا النموذج من الشخصية بارز كل البروز في الحوار الوارد في قصة صاحب الجنّتين ، كما سيتضح أكثر فيما بعد إن شاء الله .
والنمط الآخر من الشخصية هو النمط الأناني ، وفيها يتكرّس ارتباط النعمة بالأنا ، وتختفي علاقة النعمة بالله تعالى ، فتكون النعمة في حياة الإنسان من علامات ( الغنى ) وليس ( الفقر ) ، وكلّما يزداد حظّ الإنسان من النعمة يشعر بالاستغناء أكثر من ذي قبل
والإحساس بالغنى سبب الانفصال عن الله ، كما أنّ الإحساس بالفقر سبب الارتباط بالله تعالى ، وفي حالة الإحساس بالغنى والانفصال عن الله يبرز الأنا ويطغى ، كما أنّ الأنا في حالة الإحساس بالفقر والارتباط بالله يختفي ويضمر .
وصدق الله تعالى حيث يقول : ( كَلاّ إِنّ الإنسان لَيَطْغَى * أَن رَآهُ