ميراثان في كتاب الله (العُجب) - الآصفي، الشيخ محمد مهدي - الصفحة ١٠١ - ترويض النفس
عليه مطعوماً ، وتقنع بالملح مأدوماً ... أتمتلئ السائمة من رعيها فتبرك ، وتشبع الربيضة من عشبها فتربض ، ويأكل عليٌّ من زاده فيهجع ، قرّت إذاً عينه إذا اقتدى بعد السنين المتطاولة بالبهيمة الهامِلة ، والسائمة المرعية ) . [١]
إنّ السائمة تمتلئ من عشبها فتشبع ويشبع الإنسان من طعامه كما يحبّ ويشتهي فيشبع ، فماذا يكون الفرق بين هذا وذاك؟ وترسل السائمة لنفسها العنان فيما تشتهي ، ويرسل الإنسان لنفسه العنان فيما يُحب ، فبماذا يفترق هذا عن ذاك ؟ إنّ الفرق ـ في مدرسة عليّ (عليه السلام) ـ بين هذا وذاك : أنّ الإنسان يملك أزمّة نفسه فيما يحبُّ ويشتهي ، ويكفّها عمّا تحبّ وترغب ، ويتمكّن من نفسه ، وتنقاد له دون البهيمة .
ولكي تنقاد للإنسان نفسه وتطيعه لابدّ أن يروضها ويضيّق عليها ، ويتعبها فيما تحبُّ من الحلال ؛ حتى يتمكّن منها فيما يزجرها عنه من الحرام .
ولكي تنقاد له نفسه فيما يأمرها ممّا تكرهه نفسه ، وتشقّ عليها ؛ كالجهاد ، والصيام ، يمنعها سؤلَها فيما تحبُّ كالطيبات المباحة . يقول أمير المؤمنين (عليه السلام) عن ذلك ، في خُطبة المتّقين لهمام : ( إنّ استصعبت عليه نفسه فيما تكره لم يعطها سؤلها فيما تحب ) . [٢]
وهذا المنهج التربوي الذي يشرح الإمام أصوله وقوانينه لا يدخل في الحلال والحرام ، فليس يجب على الإنسان أن يمنع نفسه ممّا تحبّ من الحلال ، ولا يحرم على الإنسان أن يتمتع بما أحلّ الله من الحلال ، وهذا واضح ومؤكّد ، ولا نقاش فيه ، ولكن من يريد أن يمسك أزمّة نفسه ، ويلجمها في الحرام ، عليه أن يروّض نفسه ويقهرها ؛ ليتمكّن منها في الحرام .
يقول أمير المؤمنين (عليه السلام) : ( امرؤ لجم نفسه بلجامها ، وزمّها بزمامها ، فأمسكها
[١] نهج البلاغة ، الخُطبة رقم : ٤٥ .
[٢] نهج البلاغة ، خُطبة المتّقين ( خطبة همام ) .