التبيان في تفسير القرآن - الشيخ الطوسي - الصفحة ٢١٤ - قوله تعالى
وقطعه عن الاول. الباقون بالنصب عطفا على اسم (أن).
يقول الله تعالى لنبيه (صلى الله عليه وآله)يا محمد واذكر حين قال الله تعالى " للملائكة اسجدوا لآدم " أي أمرهم بالسجود له، وانهم سجدوا له بأجمعهم إلا إبليس وقد بينا - فيما تقدم - أن أمر الله تعالى للملائكة بالسجود لآدم يدل على تفضيله عليهم، وإن كان السجود لله تعالى لا لآدم، لان السجود عبادة، لايجوز أن يفعل إلا لله، فأما الخلوقات فلا تستحق شيئا من العبادة بحال، لان العبادة تستحق بأصول النعم وبقدر من النعم لايوازيها نعمة منعم.
وقال قوم: ان سجود الملائكة لآدم كان كما يسجد إلى جهة الكعبة - وهو قول الجبائي - والصحيح الاول، لان التعظيم الذي هو في أعلى المراتب حاصل لله لا لآدم باسجاد الملائكة له. ولو لم يكن الامر على ما قلناه من أن في ذلك تفضيلا لآدم عليهم، لما كان لامتناع إبليس من السجود له وجه، و لماكان لقوله " أنا خيرمنه خلقتني من نار وخلقته من طين " [١] وجه. فلمااحتج إبليس بأنه أفضل من آدم - وان أخطأ في الاحتجاج - علمنا أن موضوع الامر بالسجود لآدم على جهة التفضيل، وإلا كان يقول الله لابليس: إني ما فضلته على من أمرته بالسجود لآدم وإنما السجود لي، وهو بمنزلة القبلة، فلاينبغي أن تانف من ذلك. وقد بينا أن الظاهر - في روايات أصحابنا - أن ابليس كان من جملة الملائكة وهو المشهور - في قول ابن عباس - وذكره البلخي - فعلى هذا يكون استثناء إبليس من جملة الملائكة استثناء متصلا. ومن قال: إن ابليس لم يكن من جملة الملائكة قال: هو استثناء منقطع، وانما جاز ذلك، لانه كان مأمورا ايضا بالسجود له، فاستثني على المعنى دون اللفظ، كما يقال: خرج أصحاب الامير إلا الامير، وكما قال عنتر
[١] سورة ٧ الاعراف آية ١١ (*)