التبيان في تفسير القرآن - الشيخ الطوسي - الصفحة ٣٢٣ - قوله تعالى
التمكين إعطاء ما يصح معه الفعل، فان كان هذا الفعل لا يصح إلا بآلة، فالتمكين باعطاء تلك الآلة لمن فيه القدرة، وكذلك ان كان لايصح الفعل إلا بعلم، ونصب دلالة، وصحة سلامة، ولطف وغير ذلك، فاعطاء جميع ذلك واجب. وإن كان الفعل يكفي - في صحة وجوده - مجرد القدرة، فخلق القدرة هو التمكين. ثم وصفهم.
فقال: هؤلاء الذين هاجرو في سبيل الله، (إن مكناهم في الارض أقاموا الصلاة)
يعني ادوها بحقوقها، وقيل: معناه داموا عليها (وآتوا الزكاة) أي واعطوا ما افترض الله عليهم في أموالهم من الزكوات وغيرها (وامروا بالمعروف ونهوا عن المنكر). وفي ذلك دلالة على أن الامر بالمعروف والنهي عن المنكر واجب، لان ما رغب الله فيه، فقد اراده، وكل ما أراده من العبد، فهو واجب إلا أن يقوم دليل على ذلك انه نفل، لان الاحتياط يقتضي ذلك. و (المعروف) هو الحق، وسمي معروفا لانه تعرف صحته. وسمي المنكر منكرا، لانه لايمكن معرفة صحته.
وقوله " ولله عاقبة الامور " معناه تصير جميع الاملاك لله تعالى، لبطلان كل ملك سوي ملكه. ثم قال لنبيه (صلى الله عليه وآله)مسليا له عن تكذيب قومه له وقلة قبولهم منه: " وان يكذبوك " يا محمد في ماتدعيه من النبوة " فقد كذبت قبلهم قوم نوح " نوحا، وكذبت قوم " عاد " هودا وقوم " ثمود " صالحا " وقوم أبراهيم " ابراهيم " وقوم لوط " لوطا " واصحاب مدين " شعيبا " وكذب " اصحاب موسى " موسى " وانما قال " وكذب موسى " ولم يقل وقوم موسى، لان قومه بني اسرائيل، وكانوا آمنوا به وإنما كذبه قوم فرعون " فامليت للكافرين " اي أخرت عقابهم وحلمت عنهم " ثم أخذتهم " فاستاصلتهم بانواع الهلاك " فيكف كان نكير " أي عذابي لهم، وانما اقتصر على ذكر أقوام بعض الانبياء، ولم يسم أنبياءهم، لدلالة الكلام عليه.
ثم قال تعالى " وكأين من قرية " معناه وكم من أهل قرية " اهلكناها " لما