التبيان في تفسير القرآن - الشيخ الطوسي - الصفحة ٣٣٧ - قوله تعالى
اخبر الله تعالى أن الذي خلق السموات والارض هو الله تعالى، وهو الذي يستحق العبادة لاغيره وان اليه مرجع الخلق كلهم. والمرجع يحتمل معنيين:
احدهما أن يكون في معنى الرجوع فيكون مصدرا.
والاخر - موضع الرجوع فيكون ظرفا، كأنه قال: اليه موضع رجوعكم يكونه اذا شاء. ومعنى الرجوع اليه يحتمل أمرين: احدهما - ان يعود الامر إلى ان لايملك أحد التصرف في ذلك الوقت غيره تعالى بخلاف الدنيا، لانه تعالى قد ملك كثيرا من خلقه التصرف في دار الدنيا ومكنهم من ذلك. والثاني - ان يكون معناه انكم ترجعون اليه احياء بعد الموت أي إلى موضع جزائه.
وقوله " وعد الله حقا " نصب على المصدر وتقديره احقه حقا او وعد الله وعدا حقا، لان في قوله " مرجعكم " انه وعد بذلك الا انه لما لم يذكر الفعل اضيف المصدر إلى الفاعل، كما قال كعب بن زهير:
يسعى الوشاة جنابيها وقيلهم * انك ياابن أبي سلمى لمقتول [١]
اي ويقولون قيلهم. وقوله " انه يبدأ الخلق ثم يعيده " اخبار منه تعالى انه الذي أنشأ الخلق ابتداء، وهو الذي يعيدهم بعد موتهم النشأة الاخرى ليدل بذلك خلقه على أنه اذا كان قادرا على الابتداء فهو قادر على الاعادة.
وقوله " ليجزي الذين آمنوا وعملوا الصالحات " فيه بيان أنه انما يعيد الخلق ليعطيهم جزاء اعمالهم من طاعة ومعصية، والعطاء اذا كان ابتداء لايسمى جزاء.
وقوله " بالقسط " معناه بالعدل، لانه لو زاد الجزاء او نقص لخرج عن العدل، ولكن يجزيهم وفق اعمالهم حتى لايكون الجزاء على النبوة كالجزاء على الايمان بل كل طاعة يستحق الجزاء على قدرها.
وقوله " والذين كفروا لهم شراب من حميم " معناه ان الذين يجحدون نعم الله ويكفرون بوحدانيته ويجحدون رسله " لهم شراب من حميم " وهو الذي اسخن
[١] ديوانه ١٩ ومجاز القرآن ١ / ١١٢، ٢٧٣ وقد مر في ١ / ٣٠٠
(*)