التبيان في تفسير القرآن - الشيخ الطوسي - الصفحة ٢٠٣ - قوله تعالى
الذي هو الدين الحق، ولا يسلمون لامر الله الذي بعث به نبيه محمد (صلى الله عليه وآله)في تحريم حرامه وتحليل حلاله. والدين في الاصل الطاعة قال زهير:
لئن حللت بجو في بني اسد * في دين عمرو وحالت بيننا فدك [١]
وقوله " حتى يعطوا الجزية عن يد " فالجزية عطية عقوبة جزاء على الكفر بالله على ما وضعه رسول الله (صلى الله عليه وآله)على أهل الذمة - وهو على وزن جلسة، وقعدة - لنوع من الجزاء. وإنما قيل " عن يد " ليفارق حال الغصب على اقرار أحد. وقال ابوعلي: معناه يعطونا من ايديهم يجيئون بها بنفوسهم لاينوب عنهم فيها غيرهم إذا قدروا عليه. فيكون أذل لهم. وقال قوم: معناه عن نقد كما يقال: باع يدا بيد. وقال آخرون: معناه عن يد لكم عليهم ونعمة تسدونها اليهم بقبول الجزية منهم. وقال الحسين بن علي المغربي: معناه عن قهر، وهو قول الزجاج.
وقوله " وهم صاغرون " فالصغار الذل والنكال الذي يصغر قدر صاحبه، صغر يصغر صغارا، فهو صاغر. وقيل: الصغار اعطاء الجزية قائما، والاخذ جالس ذهب اليه عكرمة والجزية لاتؤخذ عندنا إلا من اليهود والنصارى والمجوس. وأما غيرهم فلايقبل منهم غير الاسلام أو السبي. وانما كان كذلك لماعلم الله تعالى من المصلحة في اقرار هؤلاء على كفرهم ومنع ذلك في غيرهم، لان هؤلاء على كفرهم يقرون بألسنتهم بالتوحيد وبعض الانبياء، وان لم يكونوا على الحقيقة عارفين. واولئك يجحدون ذلك كله، فلذلك فرق بينهما.
فان قيل: اعطاء الجزية منهم لايخلوا أن يكون طاعة او معصية، فان كان معصية فكيف أمر الله بها؟ وإن كان طاعة وجب أن يكونوا مطيعين لله.
قلنا: إعطاؤهم ليس بمعصية. وأما كونها طاعة لله فليس كذلك، لانهم انما يعطونها دفعا للقتل عن انفسهم لاطاعة لله. فان الكافر لايقع منه طاعة عندنا
[١] ديوانه ١٨٣ ومجاز القرآن ١ ٢٨٦ وتفسير الطبري ١٤ ١٩٨
(*)