التبيان في تفسير القرآن - الشيخ الطوسي - الصفحة ٣٣٥ - قوله تعالى
الانسان من حال إلى حال، لان ذلك أبعد من توهم الاتفاق فيه.
وقوله " ثم استوى على العرش " معناه استولى عليه بانشاء التدبير من جهته كما يستوي الملك على سرير ملكه بالاستيلاء على تدبيره، قال الشاعر:
ثم استوى بشر على العراق * من غير سيف ودم مهراق [١]
يعني بشر بن مروان. ودخلت (ثم) لان التدبير من جهة العرش بعد استوائه.
وقوله " يدبر الامر " فالتدبير تنزيل الامور في مراتبها على إحكام عواقبها، وهو مأخوذ من الدبور، فتجري على أحكام الدابر في الباري.
وقوله " وما من شفيع إلا من بعد إذنه " فالشفيع هو السائل في غيره لاسقاط الضرر عنه. وعند قوم أنه متى سأله في زيادة منفعة توصل اليه كان شفيعا. والذي اقتضى ذكره - ههنا - صفات التعظيم مع اليأس من الاتكال في دفع الحق على الشفيع. والمعنى - ههنا - ان تدبيره للاشياء وصنعته لها ليس يكون منه بشفاعة شفيع ولا بتدبير مدبر لها سواه، وأنه لايجسر أحد أن يشفع اليه إلا بعد ان يأذن له فيه، من حيث كان تعالى أعلم بموضع الحكمة والصواب من خلقه بمصالحهم. وقوله " ذلكم الله ربكم فاعبدوه أفلا تذكرون " معناه إن الموصوف بهذه الصفات هو ربكم وإلهكم فاعبدوه وحده، لانه لا إله لكم سواه، ولا يستحق هذه الصفات غيره. وحثهم على التذكير والتفكر في ذلك وعلى تعرف صحة ما أخبرهم به وقيل: ان العرش المذكور - ههنا - هو السموات والارض، لانهن من بنائه. والعرش البناء. ومنه قوله " يعرشون " [٢] أي يبنون. وأما العرش المعظم الذي تعبد الله الملائكة بالحفوف به والاعظام له وعناه بقوله " الذين يحلمون العرش ومن حوله [٣] فهو غير هذا. وانما ذكر الشفيع في الاية ولم يجر له ذكر، لان
[١] مر هذا البيت في ١ / ١٢٥ و ٢ / ٣٩٦ [٢] سورة ١٦ النحل آية ٦٨ وسورة ٧ الاعراف آية ١٣٦ [٣] سورة ٤٠ المؤمن آية ٧
(*)