التبيان في تفسير القرآن - الشيخ الطوسي - الصفحة ٩٣ - قوله تعالى
قرأ ابن عامر وحمزة والكسائي وخلف " ولكن الله قتلهم. ولكن الله رمى " بالتخفيف فيهما ورفع اسم الله فيهما. والباقون بتشديد النون ونصب " الله ".
نفى الله ان يكون المؤمنون قتلوا المشركين يوم بدر فقال " فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم " وإنما نفى القتل عمن هو فعله على الحقيقة ونسبه إلى نفسه وليس بفعل له من حيث كانت أفعاله تعالى كالسبب لهذا الفعل، والمؤدي اليه من إقداره إياهم ومعونته لهم وتشجيع قلوبهم فيه، والقاء الرعب في قلوب اعدائهم المشركين حتى خذلوا وقتلوا على شركهم عقابا لهم. وقوله " وما رميت إذا رميت ولكن الله رمى " مثل الاول في انه نفى الرمى عن النبي (صلى الله عليه وآله)وإن كان هو الرامي وأضافه إلى نفسه من حيث كان بلطفه، واقداره.
وهذه الرمية ذكر جماعة من المفسرين، كابن عباس وغيره: أن النبي (صلى الله عليه وآله)أخذ كفا من الحصباء فرماها في وجوههم، وقال: شاهت الوجوه، فقسمها الله تعالى على ابصارهم، وشغلهم بأنفسهم حتى غلبهم المسلمون، وقتلوهم كل مقتل. وقال بعضهم: ارد بذلك رمي النبي (صلى الله عليه وآله)أبي امية بن الخلف الجمحي يوم احد فأصابه فقتله. وقال آخرون: اراد بذلك رمية سهمه يوم خيبر، فأصاب ابن ابي الحقيق في فراشة رأسه، فقتله. والاول أشهر الاقوال.
فأما تعلق من تعلق بذلك من الغلاة، بأن قال: لما قال " ولكن الله رمى " - وكان النبي هو الرامي - دل ذلك على انه هو الله تعالى، فهو جهل وقلة معرفة بوجوه الكلام لانه لو كان على ما قالوه لكان الكلام متناقضا، لانه خطاب للنبي (صلى الله عليه وآله)بأنه لم يرم، فان كان هو الله تعالى فالى من توجه الخطاب؟ وإن توجه اليه الخطاب دل على ان الله غيره. وأيضا فاذا كان هو الله فقد نفى عنه الرمي فاذا أضافه بعد ذلك إلى الله كان متناقضا على انه قد دلت الادلة العقلية على ان الله ليس بجسم، ولا حال في جسم، فبطل قول من قال إن الله كان حل في محمد (صلى الله عليه وآله)وليس هذا موضع نقضه. وقد ذكرنا الكلام في ذلك واستوفيناه في الاصول.