التبيان في تفسير القرآن - الشيخ الطوسي - الصفحة ٣١٩ - قوله تعالى
عمل صالح إن الله لا يضيع أجر المحسنين [١٢١] آية.
لما قص الله تعالى قصة الذين تأخروا عن النبي (صلى الله عليه وآله)والخروج معه إلى تبوك ثم اعتذارهم عن ذلك وتوبتهم منه وأنه قبل توبة من ندم على ما كان منه لرأفته بهم ورحمته عليهم، ذكر عقيب ذلك على وجه التوبيخ لهم والازراء على ما كانوا فعلوه فقال: لم يكن لاهل المدينة ولامن يسكن حول المدينة من الاعراب والبوادي " ان يتخلفوا " بمعنى ان يتأخروا عن رسول الله " ولا يرغبوا بأنفسهم عن نفسه " ومعناه ولا أن يطلبوا نفع نفوسهم، لان الرغبة المنفعة ونقيضها الرهبة. ويقال رغب فيه اذا طلب المنفعة به ورغب عنه طلب المنفعة بتركه، والترغيب ضد الترهيب ومعنى " يرغبوا بأنفسهم عن نفسه " اي يطلبون المنفعة بترفيه انفسهم دون نفسه وهذه فريضة الزمهم الله اياها، لحقه فيما دعاهم من الهدى الذي اهتدوا به وخرجوا من ظلمة الكفر إلى نور الايمان.
وقوله " ذلك بأنهم لايصيبهم ظمأ ولانصب " اشارة إلى ما الزمهم الله اياه من تحمل هذه المشقة لانهم لايصيبهم ظمأ وهو شدة العطش تقول: ظمئ يظمأ ظمأ وهو ظمئ وظمآن وأظمأه الله إظماء. ومنه قيل: أنا ظمآن إلى رؤية فلان ومعنى " ولانصب " اي تعب تقول: نصب ينصب نصبا فهو نصب. ومثله الوصب قال النابغة:
كليني لهم يا أميمة ناصب * وليل اقاسيه بطئ الكواكب [١]
وقوله " ولامخمصة " يعني مجاعة وأصله ضمور البطن للمجاعة ومنه رجل خميص البطن وأمرأة خمصانة. وقوله " في سبيل الله " يعني من قتال اعدائه المشركين. وقوله " ولا يطؤن موطئا يغيظ الكفار " اي لا يخطون خطوة إلا كتب لهم اجرها، والموطئ الارض، والغيظ انتقاض الطبع بما يرى مما يشق. والغضب
[١] اللسان (نصب) والاغاني ١١ / ١٥
(*)