البلدانيات - السخاوي، شمس الدين - الصفحة ٣٥ - مقدمة المولف
و ممّن كان في هذا الوقت، و طوّف الأقاليم بحيث قال ابن خلّكان
أوراق كديته في بيت كلّ فتى* * * على اتفاق معان و اختلاف روي
قد طبّق الأرض من سهل إلى جبل* * * كأنّه خطّ ذاك السّائح الهروي
[١]: «إنّه كاد يطبّق الأرض بالدّوران، و لم يترك برا، و لا بحرا، و لا سهلا، و لا جبلا؛ مما تمكن رؤيته إلا رآه، و كتب خطّه في حائط ذلك الموضع»- الشّيخ، تقي الدين، علي بن أبي بكر الهروي الزاهد، مصنف المزارات و المشاهد، التي عاينها في الدنيا، و أظنّ ذلك سبب دورانه؛ فإنني لم أر له تخريجا في البلدانيات.
ثمّ الحافظ، أبو محمد، عبد القادر بن عبد اللّه الرّهاويّ [٢]، الحنبلي، عمل «الأربعين المتباينة الإسناد و البلدان» و اختصّ بسبقه بجمعها في كتاب واحد.
و لذا قال الذهبي [٣]: إنّه شيء لم يسبق إليه، و لا يرجى بعده. و هو كتاب كبير في مجلّد ضخم، من نظر فيه علم سعته في الحديث و الحفظ؛ لكنه- كما نبّه عليه المزي- تكرّر عليه ذكر أبي إسحاق السّبيعي و سعيد بن محمد البحيري.
و قد وقع لي بعضها بالسّماع المتصل.
[١] في «و فيات الأعيان» ٣/ ٣٤٦.
قال ابن خلكان: و لما سار ذكره بذلك، و اشتهر به، ضرب به المثل فيه. و رأيت لبعض المعاصرين- و هو ابن شمس الخلافة جعفر- بيتين في شخص يستجدي من الناس بأوراقه، و قد ذكر فيهما هذه الحالة و هما:
أوراق كديته في بيت كلّ فتى* * * على اتفاق معان و اختلاف روي
قد طبّق الأرض من سهل إلى جبل* * * كأنّه خطّ ذاك السّائح الهروي
و إنما ذكرت البيتين استشهادا بهما على ما ذكرته من كثرة زياراته، و كتب خطه ا ه.
[٢] الإمام، المحدث، الرحال، الجوال. كان كثير السماع، كثير التصنيف، و كان به عسر في الرواية. توفي سنة (٦١٢).
انظر ترجمته في «السير» ٢٢/ ٧١.
[٣] في «تاريخ الإسلام» و فيات سنة (٦١١- ٦٢٠) صفحة (١٠٥).