المبدا و المعاد - ابن سينا - الصفحة ٤٨ - فصل ٣٥ فى حلّ مغالطاتهم فى تناهى الأزل
فى اوّل الفطرة أن يكون شىء لا نهاية له فى جهة له طرف يحتمل عليه الزّزيادة.
و كثير من العقلاء يجوّزون هذا فى الوجود، و لكنّ العقل بالحجّة يمنع هذا فيما يقوم عليه البرهان، و ذلك كلّ مقدار ذى وضع، و عدد له ترتيب فى الطبع.
ثمّ هاهنا فانّ الزيادة ليست على ما لا يتناهى، لأنّ الزيادة زيادة على مزيد عليه موجود، و ليس هاهنا شىء موجود البتة غير متناه يزاد عليه، او يكون أقلّ او اكثر بوجه.
و نحن لا نمنع فى المعدومات أن يكون ما لا نهاية له أكثر و أقلّ، فانّ العشرات التي لا نهاية لها أقلّ من آحادها، و المئون أقلّ من عشراتها، و يجوز أن يكون ما لا نهاية له و أضعافا كثيرة، فانّ اللانهاية فى الزمان، و فى الحركة، و فى العدم، و الكائنات الفاسدات. و اللانهاية التي فى جميعها اكثر من التي فى الواحد منها. فان قال قائل: هذا ليس ما لا نهاية له إلّا بالقوّة.
فنقول: امّا فى الماضى فليس ما لا نهاية له، لا بالقوّة و لا بالفعل، و لكن نعنى بقولنا «لا نهاية لما فى الماضى» أنّ أىّ واحد احدث فقد كان قبله واحد، و عدم، لا أنّ هناك جملة او كلّا هو بالفعل غير متناه.
و ربما قال قائل من هؤلاء: إنّ الحاضر متوقّف فى وجوده على قطع ما لا نهاية له، و كلّ متوقّف على ما لا نهاية له فلا يوجد.
و هاهنا مغالطة فى استعارة لفظة «التوقّف» فانّ لفظة «التوقّف» إنّما تدلّ فى الحقيقة على شىء مزمع الوجود بعد وجود شىء مزمع الوجود قبله، و ليس أحدهما، فى وقت ما يقال: إنّه يتوقّف، بموجود، بل إنّما يقعان فى المستقبل.
و نحن نقول: إنّ ما كان هذا سبيله و كان متوقّفا على ما لا يتناهى فمحال أن يوجد، و لكن ليس «الآن» الحاضر هذا شأنه، فانّه لم يتوقّف قطّ بهذا المعنى، حتّى لا يكون هو و لا شىء من الأشياء قبله، ثم لا يحتاج أن يوجد ما لا يتناهى من ذلك الوقت حتّى يوجد هو، فاذا الصغرى كاذبة.