المبدا و المعاد - ابن سينا - الصفحة ٤٧ - فصل ٣٥ فى حلّ مغالطاتهم فى تناهى الأزل
فلم يكن عدم محض، بل قبليّة مقارنة لأشياء و أوقات تنقضى و اخرى تتجدّد، و كان ما يستعظمونه من وجود أشياء قبل أشياء لا عن بداية، و هذا شىء يبنونه على أصلين مشهورين غير صحيحين.
أحدهما أنّ ما لا نهاية له لا يخرج إلى الفعل البتّة، و هذا إنّما يصحّ فى الأجسام و المقادير ذوات الوضع، و الأعداد التي لها ترتيب فى الطبع و ليس فى كلّ شىء؛ و لكن الزمان و الكائنات ممّا لا يصحّ فيه هذا و يحقّ القول النافع فيها هذا، لا لأنّه فطرة فى العقل، بل لحجج. و هؤلاء يأخذونه أوّليا، ثم يكذبون؛ فليس الزمان الماضى و الكائنات الماضية خارجة إلى الفعل معا، فانّه ليس إذا كان كلّ واحد يخرج إلى الفعل يجب أن يكون هناك جملة خرجت إلى الفعل، إنّما يكون ذلك لو كان كلّ خارج الى الفعل تبع لخروج الآخر الى الفعل.
و ليس إذا صحّ فى واحد واحد يجب أن يكون هناك جملة يصحّ فيها هذا الوصف. فانّه كما يصحّ أن يقال فى كلّ واحد من الماضى أنّه خرج، كذلك يصحّ فى كلّ واحد من المستقبل أنّه يخرج. و كما أنّ كون كلّ واحد من المستقبل بحيث يصحّ أن يخرج إلى الفعل لا يوجب كون جملة لها بحيث يصحّ أن يخرج إلى الفعل، و السبب فى ذلك التعاقب و اختلاف الأوقات، كذلك كون كلّ واحد من الماضى بحيث خرج لا يوجب كون جملة لها قد خرجت، و السبب فى ذلك التعاقب و اختلاف الأوقات، و حال المستقبل أولى بالفعليّة من حال الماضى، لأنّ آحاد ما فى المستقبل عدمها عدم مقارن للقوّة، و عدم ما عدم فى الماضى عدم غير مقارن للقوّة.
و أمّا الاصل الثاني فهو قولهم: إنّ ما لا يتناهى لا زيادة عليه، فلو كان ما مضى لا يتناهى لكان لا يمكن أن يكون عليه زيادة.
و هذا الأصل أيضا قوىّ فى الشهرة، و ليس بيّنا بنفسه، لأنّ العقل لا يمنع