المبدا و المعاد - ابن سينا - الصفحة ٨٩ - فصل ١١ فى الاشارة إلى عناية الصانع و عدله و آثار حكمته على السماوات و الأرض
الأرض اكبر بالكم فى الحيوان و النبات، و يكون مكان الحيوان و النبات حيث تكون الأرض. و مع ذلك فقد كان يجب أن يكون مكانها أبعد عن الحركات السماويّة، فانّ تلك الحركة إذا بلغت بتأثيرها الأجساد غيّرتها و أفسدتها.
فوضعت الأرض فى أبعد المواضع عن الفلك، و ذلك هو الوسط. و إذا كان الماء يتلو الأرض فى هذا المعنى و كان مكانا أيضا لكثير من الكائنات و كان يشارك الأرض فى الصورة الباردة جعل الماء يتلو الارض. ثمّ الهواء لهذا السبب و لأنّه يشارك النار و الماء فى الطبيعة.
و لمّا كانت الكواكب أكبر تأثيرها بوساطة الشعاع النافذ عنها و خصوصا الشمس و القمر و كانت هى المدبّرة لما فى هذا العالم، جعل ما فوق الأرض من الاسطقسات مشفّا لينفذ فيه الشعاع و جعلت الأرض ملوّنة بالغبرة ليثبت عليها الشعاع. و لم يحط بها الماء لتستقرّ عليها الكائنات. و السبب الطبيعى فى ذلك يبس الأرض و حفظها للشكل الغريب إذا استحال منه او إليه فلا يبقى مستديرا، بل مضرّسا، و يميل الماء إلى الغور من أجزائه.
و الأجرام السماويّة لم يكن كلّها بجميع أجزائها مضيئة و إلّا لتشابه فعلها فى الأمكنة و الأزمنة، و لا بجميع أجزائها مشفّة و إلّا لما نفذ عنها الشعاع، بل خلق فيها كواكب. ثمّ لم يترك الكواكب ساكنة و إلّا أفرط فعلها فى موضع بعينه ففسد ذلك الموضع، و لم يؤثّر فى موضع آخر ففسد ذلك أيضا، بل جعلت متحرّكة لينتقل التأثير من موضع إلى موضع، و لا يبقى فى موضع واحد فيفسد، و لو كانت الحركة التي نرى لها غير سريعة لفعلت من الافراط و التقصير ما يفعله السكون، و لو كانت حركتها الحقيقيّة تلك السريعة بعينها للزمت دائرة واحدة، فافرط فعلها هناك و لم يبلغ فعلها سائر النواحى، بل جعلت هذه الحركة فيها تابعة لحركة مشتملة على الكلّ، و لها فى نفسها حركة بطيئة يميل بها إلى نواحى العالم جنوبا او شمالا.