المبدا و المعاد - ابن سينا - الصفحة ٨١ - فصل ٤ فى أنّه كيف يكون الثوانى عن المعلول الأوّل
و امّا صور قوامها بذاتها لا بموادّ الأجسام، كالأنفس. ثمّ كلّ نفس فانّما جعلت خاصّة بجسم، بسبب أنّ فعلها بذلك الجسم و فيه، و لو كانت مفارقة الذات و الفعل جميعا لذلك الجسم لكانت نفس كلّ شىء، لا نفس ذلك الجسم.
فقد بان على الوجوه كلّها أنّ القوى السماويّة لا تفعل إلّا بواسطة جسمها، و محال أن تفعل بواسطة الجسم نفسا، لأنّ الجسم لا يكون متوسطا بين نفس و نفس. فان كانت تفعل نفسا بغير توسّط الجسم فلها انفراد قوام من دون الجسم و اختصاص بفعل مفارق لذاتها و لذات الجسم. و هذا غير الأمر الذي نحن فى ذكره، فان لم تفعل نفسا لم تفعل جرما سماويّا، لأنّ النفس متقدّمة على الجسم فى المرتبة و الكمال، فان وضع لكلّ فلك شىء- يصدر عنه فى فلكه شىء و أثر، من غير أن يستغرق ذاته فى شغل ذلك الجرم به، و لكن ذاته مباينة فى القوام و فى الفعل لذلك الجسم- فنحن لا نمنع هذا. و هذا هو الذي نسميه «العقل المجرّد» و نجعل صدور ما بعده عنه. و لكن هذا غير المنفعل عن الجسم و المشارك إيّاه و الصائر صورة خاصّة به.
فقد بان و وضح أنّ للأفلاك مبادى غير جرمانيّة و لا صور للاجسام، و أنّ كلّ فلك يختصّ بمبدإ منها، و الجميع تشترك فى مبدأ واحد.
و على هذا المعنى قياسات كثيرة و براهين، لكنّا إنّما نختار فى هذا الكتاب من الحجج ما لا يحوجنا إلى استعمال مقدّمات كثيرة و تحليل طويل، بل يكون اقرب إلى الأفهام. و قد يبيّن هذا فيقال: إنّه ممّا لا يشك فيه أنّ هاهنا عقولا بسيطة و مفارقة تحدث فى أبدان الناس. و قد بين لك فى العلوم الطبيعيّة و سنبيّنها نحن بعد عن قريب، و ليست بعلل اولى، لأنّها كثيرة، مع وحدة النوع و لأنّها حادثة كما تبيّن هناك. و ليست أيضا بمعلولات قريبة لهذا المعنى. و ذلك أنّ الكثرة فى عدد المعلولات القريبة محال، فهى إذن معلومات الأول بتوسّط.
و لا يجوز أن تكون العلل الفاعليّة المتوسّطة بين الأولى و بينها، دونها