المبدا و المعاد - ابن سينا - الصفحة ٧٩ - فصل ٤ فى أنّه كيف يكون الثوانى عن المعلول الأوّل
بلا واسطة أجساما، و لا أيضا يمكن ان يكون عن واسطة هى وحدة محضة و لا اثنينيّة فيها بوجه، فيجب أن يكون عن المبدعات الأول بسبب اثنينيّة يجب فيها ضرورة او كثرة كيف كانت، و لا يمكن فى العقول المفارقة شىء من الكثرة إلّا على ما أقول: إنّ المعلول بذاته ممكن الوجود و بالأوّل واجب الوجود، و هو يعقل ذاته و يعقل الأوّل ضرورة فيجب أن يحدث فيه من الكثرة: معنى إمكان الوجود، و معنى أنّه يعقل ذاته و يتجوهر به، و معنى أنّه يعقل الأوّل و ليست الكثرة له عن الأوّل، فانّ إمكان وجوده أمر له بذاته لا بسبب الأوّل، بل له من الاوّل وجوب وجوده، ثم كثرة أنّه يعقل الأول و يعقل ذاته كثرة لازمة لوجود وحدته، و نحن لا نمنع أن يكون عن شىء واحد ذات واحدة ثم يتبعها كثرة اضافيّة ليست فى أوّل وجوده و داخلة فى مبدأ قوامه، فيجب إذا أن تكون هذه الكثرة علة إمكان وجود الكثرة معا عن المعلومات الأول. و لو لا هذه الكثرة لكان لا يمكن أن يوجد منها إلّا وحدة و لم يمكن أن يوجد عنها جسم. ثم لا كثرة هناك إلّا على هذا الوجه فقط.
و قد بان لنا فى ما سلف أنّ العقول المفارقة كثيرة العدد فليست إذن موجودة معا عن الأوّل بل يجب أن يكون أعلاها هو الموجود الأوّل عنه ثم يتلوه عقل و عقل. و لأنّ تحت كلّ عقل فلكا بمادته و صورته التي هى النفس فتحت كلّ عقل ثلاثة أشياء فى الوجود، فيجب أن يكون إمكان وجود هذه الثّلاثة عن ذلك العقل الأوّل يلزم عنه فى الابداع لأجل التثليث المذكور فيه.
و الأفضل تبع للأفضل من جهات كثيرة. فيكون إذن العقل الأوّل يلزم عنه بما يعقل الأوّل وجود عقل عنه، و بما يعقل ذاته وجود صورة الفلك الأقصى و كمالها و هو النفس، و بما أنّه ممكن الوجود فى نفسه يلزمه وجود جرمية الفلك الأقصى المعنى المشارك للقوّة و هو الجرم. فبما يعقل الأوّل يلزم عنه عقل، و بما يختصّ بذاته على جهتيه الكرة الأولى بجزءيها أعنى المادة و الصورة، و المادّة