المبدا و المعاد - ابن سينا - الصفحة ٨٠ - فصل ٤ فى أنّه كيف يكون الثوانى عن المعلول الأوّل
بتوسط الصورة. كما أنّ امكان الوجود يخرج إلى الفعل بالفعل. و كذلك الحال فى عقل عقل و فلك فلك حتى ينتهى إلى العقل الفعّال الذي يدبّر أنفسنا.
و ليس يجب أن يذهب هذا المعنى الى غير النهاية حتى يكون تحت كل عقل مفارق مفارق. فانّا نقول: إنّه إن لزم وجود كثرة عن العقول فبسبب المعانى التي فيها من الكثرة و ليس ينعكس هذا حتى يكون كلّ عقل فيه هذه الكثرة فتلزم كثرته هذه المعلولات و لا هذه العقول متفقة الأنواع، حتى يكون مقتضى معانيها متّفقا.
و لنبتدئ لبيان هذا المعنى ابتداء آخر، فنقول: إنّ الافلاك كثيرة فوق العدد الذي فى المعلول الأوّل، لكثرته المذكورة، و خصوصا إذا فصّل كلّ فلك إلى صورته و مادته، فليس يجوز أن يكون مبدؤها واحدا هو المعلول الأوّل، و لا يجوز أيضا أن يكون كلّ جرم متقدم منها علّة للمتأخّر، و ذلك لأنّ الجرم بما هو جرم لا يجوز أن يكون مبدأ جرم، و بما له قوّة نفسانيّة لا يجوز أن يكون مبدأ جرم ذى نفس اخرى.
و ذلك أنّا قد بيّنا أنّ كلّ نفس لكلّ فلك فهو كماله و صورته، و ليس جوهرا مفارقا و إلّا لكان عقلا لا نفسا و كان لا يحرك البتة و كان لا يحدث فيه من حركة الجرم حركة و من مشاركة الجرم تخيّل و توهم، و قد ساقنا القياس الى اثبات هذه المعانى لأنفس الأفلاك.
و إذا كان الأمر على هذا فلا يجوز أن تكون أنفس الأفلاك تصدر عنها أفعال فى أجسام اخرى غير أجسامها إلّا بواسطة أجسامها. فانّ صور الأجسام و كمالاتها على صنفين:
امّا صور قوامها بموادّ الأجسام. فكما أنّ قوامها بموادّ تلك الأجسام فكذلك ما يصدر عن قوامها يصدر بوساطة مواد تلك الأجسام؛ و لهذا السّبب فانّ النار لا تسخن حرارتها أىّ شىء اتفق، بل ما كان ملاقيا لجرمها او من جسمها بحال. و الشمس لا تضىء كلّ شىء، بل ما كان مقابلا لجرمها.