المبدا و المعاد - ابن سينا - الصفحة ٦٧ - فصل ٤٧ فى أنّ المشوّقات التي ذكرنا ليست أجساما و لا أنفس أجسام
و لا تجيب الى جهة اخرى ان عيقت عن جهتها، و قد قلنا إنّ مبدأ هذه الحركة ليست طبيعة، و لا أيضا هناك طبيعة توجب وضعا بعينه، فليس إذن فى جوهر الفلك طبيعة تمنع عن تحريك النفس له إلى أىّ جهة كانت.
و أيضا لا يجوز أن يقع ذلك من جهة النفس حتى يكون طبعها أن يريد تلك الجهة لا محالة إلّا أن يكون الغرض فى الحركة مختصا بتلك الجهة، لأنّ الارادة تبع للغرض و ليس الغرض تبعا للارادة. فاذا كان هكذا كان السبب مخالفة الغرض، فاذن لا مانع من جهة الجسميّة و لا من جهة الطبيعة و لا من جهة النفس إلّا اختلاف الغرض، و القسر أبعد الجميع عن الامكان.
فاذن لو كان الغرض تشبّها بعد الأول بجسم من السماويّة لكانت الحركة من نوع حركة ذلك الجسم، و لم يكن مخالفا او اسرع منه فى كثير من المواضع.
و كذلك إن كان الغرض لمحرّك هذا الفلك التشبّه بمحرك ذلك الفلك.
فبقى أنّ الغرض لكلّ فلك تشبّه بشيء غير جواهر الافلاك من موادّها و أنفسها. و محال أن يكون بالعنصريّات و ما يتولّد عنها، و لا أجسام و لا أنفس غير هذه. فبقى أن يكون لكلّ واحد منها شوق تشبّه بجوهر عقلىّ مفارق يخصّه.
[و تكون العلّة الاولى متشوق الجميع بالاشتراك. فهذا معنى قول القدماء: إنّ للكلّ محرّكا واحدا معشوقا، و إنّ لكلّ كرة محرّكا يخصّها و معشوقا يخصّها].
فيكون إذن لكلّ فلك نفس محرّكة تعقل الخير، و له بسبب الجسم تخيّل، اى تصوّر للجزئيّات و إرادة للجزئيّات، و يكون ما يعقله من الأول و ما يعقله من المبدأ الذي يخصّه القريب منه مبدأ تشوّقه إلى التّحرّك، و يكون لكلّ فلك عقل مفارق، نسبته إلى نفسه نسبة العقل الفعّال إلى أنفسنا، و إنّه مثال كلّىّ عقلىّ لنوع فعله.
فهو يتشبّه به.
فيكون عدد العقول المفارقة بعد المبدأ الأوّل بعدد الحركات. فان كانت الأفلاك المتحيّرة انّما الغرض فى كرات كلّ كوكب منها حركة الكوكب كانت