المبدا و المعاد - ابن سينا - الصفحة ٤٥ - فصل ٣٣ فى أنّه لا يجوز أن يكون أوّل آن
و قد وضع هذا المعنى للخالق ممتدّا لا عن بداية، و جوّز فيه أن يخلق قبل أىّ خلق توهّم خلقا، و إذا كان هكذا كانت هذه القبليّة مقدّرة مكمّمة؛ و هذا هو الذي نسمّيه الزمان. إذ تقديره ليس بتقدير ذى وضع و لا ثبات، بل على سبيل التجدّد.
ثمّ إن شئت فتأمّل أقاويلنا الطبيعيّة، إذ قد بيّنا أنّ ما كان ثباته و قوامه فى المادّة و ليس بغير واسطة، فليس هو مقدارا لنفس المادّة، و لا بواسطة هيئة قارّة، كالحرارة و البرودة، فتكون كميّة لها أوّلا؛ فانّ الهيئات القارّة لا تتقدّر بهذا، و هى كميّة؛ إذ الهيئة غير قارّة، و الهيئة الغير القارّة هى الحركة. فاذا تحقّقت علمت أنّ الأوّل سبق الخلق عندهم، ليس سبقا مطلقا، بل بزمان و معه حركة و أجسام او جسم.
[فصل ٣٣] فى أنّه لا يجوز أن يكون أوّل آن
و أيضا فانّه كيف يكون الزمان حادثا حتّى يمكن أن يحدث الحركة و كلّ آن فهو بعد قبل و قبل بعد، فهو حدّ مشترك بين أمرين يلزمه كلاهما دائما.
و ما يبيّن هذا أنّه قد بيّن أنّ وجود الآن وجود الطرف، و ليس شيئا مقولا بذاته، و كذلك جميع نهايات المقادير، و إذا كان كذلك فالآن لا محالة طرف شىء داخل فى الوجود لا محالة، لأنّ أحد المتضايفين إذا وجد بالفعل، فيجب أن يكون الآخر وجد لا محالة؛ و المستقبل لم يوجد، فيجب أن يكون الآن لا محالة طرفا للماضى.
و لا يشبه الآن النقطة فى أنّها قد تفصل و قد تكون حدّا مشتركا، لأنّها فى الحالين قد يكون ما هو طرف لها موجودا، و الآن لا يكون ما هو طرف له قد وجد إلّا الماضى، فيكون أفنى الماضى و أنهاه.
و أمّا الحركة فإنّها و إن ابتدأت بطرف لا يتّصل بحركة قبلها، فالسبب فى ذلك أنّ الحركة ليست بذاتها كما، بل قد تتقدّر إمّا بالمسافة و إمّا بالزمان.
فطرفها إمّا من الزمان، و يكون هو بالذات طرفا للزمان الماضى و قد صحّ به