المبدا و المعاد - ابن سينا - الصفحة ٢٤ - فصل ١٩ فى بيان أنّ كلّ حادث فثباته بعلّة لتكون مقدّمة معينة فى الغرض المذكور قبله
و بعد هاتين المقدّمتين فانّا نبرهن بأنّه لا بدّ من شىء واجب الوجود؛ و ذلك لانّه إن كان كلّ موجود ممكنا فامّا أن يكون مع إمكانه حادثا او غير حادث.
فان كان غير حادث فامّا أن يتعلّق ثبات وجوده بعلّة او يكون بذاته، فان كان بذاته فهو واجب، لا ممكن؛ و إن كان بعلّة، فعلّته معه لا محالة، و الكلام فيه كالكلام فى الأوّل، فانّه إن لم يقف عند علّة واجبة الوجود حصلت علل و معلولات ممكنه؛ إمّا بغير نهاية و إمّا دائرة، و قد أبطلنا هما جميعا، فقد بطل إذا هذا القسم.
و إن كان حادثا، و كلّ حادث فله علّة مع حدوثه، فلا يخلو: إمّا أن يكون حادثا باطلا مع الحدوث لا يبقى زمانا، و إمّا أن يبطل بعد الحدوث بلا فصل زمان، و إمّا أن يكون بعد الحدوث باقيا.
و القسم الاوّل محال ظاهر الاحالة، و القسم الثاني أيضا محال. و ذلك لأنّ الآنات لا تتالى، و حدوث أعيان واحدة بعد اخرى متتالية متباينة فى العدد لا على سبيل الاتّصال، كما فى الحركة، يوجب تتالي الآنات، و قد بطل ذلك فى العلم الطبيعىّ. و مع ذلك فليس يمكن أن يقال: إنّ كلّ موجود هو كذلك؛ فانّ فى الموجودات موجودات باقية بأعيانها، فلنفرض الكلام فيها فنقول: إنّ كلّ حادث فله علّة فى حدوثه و علّة فى ثباته، ثمّ يمكن أن تكونا ذاتا واحدة، مثل القالب فى تشكيل الماء، و يمكن أن تكونا شيئين، مثل الصورة الصنميّة، فانّ محدثها الصانع، و مثبتها يبوسة جوهر العنصر المتخذة منه
[فصل ١٩] فى بيان أنّ كلّ حادث فثباته بعلّة لتكون مقدّمة معينة فى الغرض المذكور قبله
و لا يجوز أن يكون الحادث ثابت الوجود بعد حدوثه بذاته، حتّى يكون اذا حدث فهو واجب أن يوجد و يثبت لا بعلّة فى الوجود و الثبات، فإنّا نعلم أنّ ثباته و وجوده ليس واجبا بنفسه، فمحال أن يصير واجبا بالحدوث الذي ليس واجبا بنفسه و لا ثابتا بنفسه. و أمّا بعلّة الحدوث فانّما كان يجوز لو كانت العلّة باقية معه.