المبدا و المعاد - ابن سينا - الصفحة ١١٩ - فصل ١٩ فى أنّ الممرورين كيف يتفق لهم أن يخبروا عن المغيبات
حكاية عن أىّ معنى يمكن، كما انّ الانسان ربّما فكّر فى شىء فشغله الخيال عنه و انتقل الى غيره، و استمرّ فى ذلك شيئا بعد شىء حتّى نسي الانسان أوّل فكرته.
فاذا قصد ليذكر أخذ يرجع بالعكس أنّ الذي يتخيّله فى الخيال عن أىّ شىء لاح له، و ذلك أيضا عن أىّ سبب وقع فى وهمه، فلا يزال يرجع القهقرى، حتّى يبلغ أوّل فكرته.
[فصل ١٨] فى الامور العظيمة التي يراها و يسمعها الأنبياء و هى محجوبة عن إحساسنا
فمن كان خياله قويّا جدّا و نفسه قويّة جدّا لم تشغله المحسوسات بالكليّة و لم تستغرقه، و فضل منه ما ينتهز الفرصة من الاتصال بذلك العالم و أمكنه ذلك فى اليقظة و اجتذب الخيال معه فرأى الحقّ و حفظه. و عمل الخيال عمله، فخيّل ما يراه كالمحسوس المبصر المسموع، فبعضه يتخيّل شبحا لا يمكن ان يوصف حاله، و بعضه كلاما محكيا على التمثيل الّذي يجرى اليه الخيال مرموزا لا يكون أحسن منه. فربما يؤدّى كلاهما او يؤدّى أحدهما او يؤدّى واحد الى خاصىّ و واحد الى عامىّ.
و ليس تخيّل النبي يفعل هذا فى الاتصال بمبادى الكائنات، بل عند سطوع العقل الفعّال و إشراقه على نفسه بالمعقولات، فياخذ الخيال و يتخيل تلك المعقولات و يصوّرها فى الحس المشترك فيرى الحسّ للّه عظمة و قدرة لا توصف، فيكون هذا الانسان له كمال النفس الناطقة و كمال الخيال معا.
[فصل ١٩] فى أنّ الممرورين كيف يتفق لهم أن يخبروا عن المغيبات
و يتّفق للممرورين شىء من الإنذار بالكائنات، و ذلك لأنّ مزاجهم ردىّ و خيالهم قوىّ بسبب اليبس، الغالب على مزاج روحهم الذي فى الدماغ، الملطّف المجفّف إيّاه.