المبدا و المعاد - ابن سينا - الصفحة ١٠٥ - فصل ١٠ فى حلّ شبه اعتمدها بعض من يرى أنّ النفس الناطقة كمال غير مفارق
باستعمالها فى المعقولات الصعبة لانفعال الآلة، و لكانت إذا ادبرت عن معقول قوىّ لم يدرك الضعيف، لأنّ الآلة تكون انفعلت. مثل أنّ الحسّ يضعفه استعمال المحسوسات القويّة و يبقى بعدها فيه أثر يمنعها من الشعور بالمحسوسات العقليّة الضعيفة، و هذا فى الالوان و الطعوم و الأراييح و الأصوات و الملامس واحد.
و لو كانت هذه القوّة العقليّة تعقل بجسم لما كانت تعقل الاضداد بعقل واحد.
فهذه اقناعات يمكن أن تردّ إلى البرهان. فامّا الحقيقى فهو ما سلف ذكره.
و هاهنا براهين اخرى حقيقيّة لا نطوّل الكتاب بتعديدها.
فقد بان و اتضح أنّ النفس الانسانيّة مستغنية فى القوام عن البدن، و فساد البدن ليس سببا لفسادها. و ذاته ليس سببا لفساده، و ضدّه ليس سببا لفساده، لأنّ الجوهر لا ضدّ له؛ و علّته الموجدة و هو العقل الفعّال ليس سببا لفساده، بل لوجوده و كماله. فلا سبب له إذن فى فساده، فهو اذن باق دائما.
[فصل ١٠] فى حلّ شبه اعتمدها بعض من يرى أنّ النفس الناطقة كمال غير مفارق
و يجب أن لا نشتغل بما يقال: إنّ النفس لو كان كمالا مفارقا لكان كالربّان للسفينة و كان يجوز أن يدخل و يخرج مثل ما يدخل و يخرج الربّان. و ذلك أنّه ليس إذا شبّه شىء بشيء من جهة فيجب أن يشبّه من كلّ جهة، و لا النفس توصف بالدخول و الخروج، بل هى بذاتها فى الجوهر مباين لكلّ مكان و مكانىّ. و لكن يقال: إنّه فى هذا البدن، لأنّ تدبيره و تحريكه و مبادى إدراكه و القوى الفائضة منه مخصوصة بالبدن الذي إنّما وجدت هذه النفس مع وجوده و أنّ هذه العلاقة بينهما ثابتة ما ثبت الجسد. فاذا فسد البدن بقى ذلك الجوهر مفارقا بحاله.
و لا بما يقال: إنّه لو كانت مفارقة للبدن لما كان يتحد منها حيوان او انسان واحد كما يتحد أشياء من الصورة و المادّة، فنقول: إنّه بالحقيقة لا يتحد من المادّة