المبدا و المعاد - ابن سينا - الصفحة ١٠٣ - فصل ٨ فى مراتب تجريدات الصّور عن المادّة
إن كان غير مناسب لماهيتّه لم يكن حصوله إحساسه به، فيجب لا محالة أن تكون صورته متجرّدة عن مادته. و لكن الحسّ لا يجرّد هذه تجريدا تامّا، لكن يأخذها مع علائق المادّة و باضافة إلى المادّة، حتى إذا غابت المادّة بطلت تلك الصورة.
و أمّا الخيال فيأخذ الصورة تجريدا اكثر، و ذلك لأنّ تلك الصورة تكون فيه و لا مادّتها، و تكون فيه و إن غابت المادّة أيضا، و لكن لا تكون مجردة عن العوارض اللاحقة بها من المادّة. فانّ الخيال لا يتخيل إلّا ما أحسّ و لا يتخيّل انسانا [من جهة ما هو انسان بحيث يشاركه فيه كلّ انسان بل] من جهة ما هو انسان ما و بقدر ما من الكم و الكيف و الأين و الوضع.
ثم الوهم يجرّد الصورة عن المادّة أكثر، لأنّه يأخذ معانى غير محسوسة، بل هى معقولة، لكن لا تأخذها كليّة معقولة، بل مربوطة بمعنى محسوس. مثلا انّ الوهم لا يتوهّم الضارّ و النافع بما هو ضارّ و نافع كلّىّ، بل بما هو هذا الشخص.
و أمّا العقل فانّه يجرّد الصورة تجريدا تامّا، فيجرّدها عن المادّة و يجرّدها عن إضافة المادّة و يأخذها حدّا محضا. و أمّا ما كان بذاته عقلا فلا يحتاج فى تعقّله إلى هذه المعانى.
و من شأن هذه القوّة العقليّة أن تصير عالما، لأنّ العوالم هى ما هى بصورها، و هى تأخذ صورة كلّ محسوس و معقول فترتّب فيها من المبدأ الأوّل إلى العقول التي هى الملائكة المقرّبة إلى الأنفس التي هى الملائكة بعدها إلى السماوات و العناصر و هيئة الكل و طبيعته، فيكون عالما عقليّا، مشرقا بنور العقل الفعّال، باقى الذات.
فانّا قد أوضحنا أنّ المعقولات لا تحلّ جسما و لا قوّة فى جسم، فاذن هذه القوّة غير جسم و لا منطبع فى جسم. فان كانت فى جسم، فبمعنى آخر، على ما نذكره.