المبدا و المعاد - ابن سينا - الصفحة ١٠٤ - فصل ٩ فى استقصاء القول فى أنّ العقل لا يعقل بآلة و لا تفسد النفس منّا بفساد الآلة
[فصل ٩] فى استقصاء القول فى أنّ العقل لا يعقل بآلة و لا تفسد النفس منّا بفساد الآلة
و ممّا يوضح أنّ هذه القوّة لجوهر غير جسم و لا فى جسم، و هو المسمّى بالنفس الناطقة، أنّ معقولات هذه القوّة بالقوّة امور غير متناهية، و اعتبر ذلك من الصور العدديّة و الأشكال الهندسيّة. فهى أذن قوّة على امور غير متناهية ليس شىء منها ممتنعا عليها، و قد صحّحنا أنّه و لا قوّة من القوى الجسمانيّة تكون غير متناهية.
و أيضا فانّ هذه القوّة إن كانت تعقل بذاتها فلها قوام بذاتها، لأنّ الذات قبل الفعل، فما ليس له انفراد قوام ذات فلا يجوز ان يكون له انفراد بفعل، لكن هذه القوّة تفعل بذاتها بلا آلة، و ذلك لأنّها تعقل ذاتها و تعقل آلتها و تعقل أنّها عقلت، و ليست لها آلة إلى آلتها و لا الى ذاتها و فعلها. و لو كانت تعقل بآلة لكانت لا تعقل الآلة و لا ذاتها و لا فعلها، إذ كانت الآلة لها بينها و بين غيرها، و لم يكن بينها و بين ذاتها و آلتها و فعلها آلة. و لهذا كان الحسّ لا يحسّ ذاته و لا آلته و لا إحساسه، لأنّه كان يحسّ بآلة.
فاذن للجوهر الذي له قوّة العقل انفراد بذات و قوام بذات. و لو كانت تعقل بآلة لكانت الشيخوخة توجب فى كلّ شيخ و هنا فى العقل كما توجب وهنا فى الوهم و الحدس و الحسّ و التخيّل. فانّ ذلك بسبب أنّ فعل هذه القوى بالآلة.
فاذا كلت الآلة كلّ الفعل، و لو اعطى الشيخ بصرا مثل بصر الشاب لأبصر كما يبصر الشباب.
فقد بان انّ العقل ليس بآلة جسمانيّة، و إلّا لكان لا يمكن ان يبقى على حالة واحدة فى الشيوخ البتة. و لكنّ العقل فى اكثر الأمر يزداد قوّة بعد الأربعين و هناك يأخذ البدن فى الضعف.
و أيضا فلو كان العقل فاعلا بآلة من البدن لكان قوّة العقل تنتقص