المبدا و المعاد - ابن سينا - الصفحة ١٠٢ - فصل ٨ فى مراتب تجريدات الصّور عن المادّة
قد تتخيّل معا. مثل سواد و صلابة و شكل. و المعانى المتفقة قد تتخيّل متفرّقة. مثل يدين و رجلين، فبقى أن يكون السبب فى ذلك افتراقها فى المادّة فوجب أن يكون قابلها معنى فى المادّة. و إن شئت أن تستقصى هذا، فتأمّل تلخيصنا لكتاب النفس و كتاب الحسّ و المحسوس.
و لكنّ العقل إذا رام تصوّر هذه المعقولات جرّدها عن المادّة و علائقها معا، فرفع الكثرة و أخذ الكليّة المشتركة، لأنّ الكثرة تابعة للمادّة، و المعنى لا كثرة فيه، و رفع ما يلحق المعنى من وضع و شكل و كيفيّة و كميّة و أين، فانّ جميع ذلك من علائق المادّة و لو كانت من علائق الحدّ و المعنى لما اختلف زيد و عمرو فى وضع و أين و كم مع اتّفاقها فى الصورة.
فقد بان أنّه ليس شىء مما هو محسوس بمعقول، و لا ممّا هو معقول بمحسوس، و أنّ العقل هو الذي يخلص المعقولات من المحسوسات و يتشبه بها و إنّما يعقل بالملكة المستفادة من الشىء الذي هو بذاته عقل، و بجوهره معقول، لا بأنّ يجرّده العقل عن هيئة غير معقولة فيصير معقولا. و بالحرىّ أن يكون مثل هذا الجوهر مبدأ لأن يعقل به غير ما ليس بذاته معقولا. و ذلك لأنّ الذي هو بذاته فهو مبدأ فى كلّ شىء لما ليس بذاته. فالحارّ بذاته هو الذي يسخّن و البارد بذاته هو الذي يبرّد. فالعقل بذاته هو الذي يخرج العقل بالقوّة إلى الفعل.
[فصل ٨] فى مراتب تجريدات الصّور عن المادّة
و نقول: أنّ كلّ إدراك حسىّ و تخيّلىّ و وهمىّ و عقلىّ فهو بتجريد الصورة عن المادّة و لكن على مراتب:
فالحسّ يجرّد الصورة عن المادّة، لأنّه ما لم يحدث فى الحاسّ أثر من المحسوسات فالحاسّ عند كونه حاسّا بالفعل و كونه حاسّا بالقوّة على مرتبة واحدة. و يجب إذا حدث فيه أثر من المحسوس أن يكون مناسبا للمحسوس، لأنّه