شرح الإشارات و التنبيهات - الرازي، فخر الدين - الصفحة ٢٢٢ - (تنبيه في بيان أن كل حادث فهو مسبوق بموجود غير قار الذات
معا فى حصول الوجود بل قبليته قبل أيضا لا تثبت مع البعد و مثل هذا ففيه تجدد بعدية بعد قبلية باطلة و ليس تلك القبلية هو نفس العدم فقد يكون العدم بعد و لا ذات الفاعل فقد يكون قبل و مع و بعد فهو شيء آخر لا يزال فيه تجدد و تصرم على الاتصال و قد علمت أن مثل هذا الاتصال الذي يوازى الحركات فى المقادير لن يتألف من غير منقسمات)
التفسير الغرض من هذا الفصل الاستدلال على تقدم الزمان و تقريره أن كل ما حدث بعد ما لم يكن فان عدمه قبل وجوده و ليس كون هذا العدم قبلا للوجود مثل كون الواحد قبلا للاثنين لان الواحد و الاثنين قد يحصلان معا فى الوجود و اما هاهنا فالعدم السابق و الوجود الحاضر لا يتقار بان ثم هذه القبلية اما أن تكون عبارة عن نفس العدم أو عن نفس الفاعل أو عن أمر زائد لا جائز أن تكون عبارة عن نفس العدم لان عدم ذلك الشيء قد يحصل بعد وجوده و القبلية يستحيل حصولها بعد وجود ذلك الغير و لا جائز أن تكون عبارة عن ذات الفاعل لانها قد تحصل قبل وجود الشيء و بعده و معه و القبلية لا تكون كذلك فاذن هذه القبلية أمر زائد عليهما ثم تلك القبلية أيضا أمر حادث فهى مسبوقة بشيء آخر و الكلام فى الأول كالكلام فى الثاني فيلزم أن يكون قبل كل حادث حادث لا بذاته ثم نقول و هذه القبليات و البعديات مطابقة للحركات التي يستحيل تألفها من أمور غير منقسمة و الا لكانت المسافة كذلك أيضا و لزم القول بالجزء و اذا كان كذلك استحال أن يكون الامر الذي تلحقه القبلية و البعدية متألفا من أمور و غير قابلة للقسمة و لقائل أن يقول لا نسلم أن القبلية و البعدية و المعية أمور ثبوتية و بيانه من ثلاثة أوجه الأول أن هذه الامور لو كانت أمورا وجودية فى الخارج فهى متى نسبت الى غيرها فلا بدّ أن تكون موجودة اما قبل ذلك الغير أو معه أو بعده فيلزم أن يكون للقبلية قبلية أخرى أو معه أو بعده ثم الكلام فيها كالكلام فى الأول و يلزم التسلسل لا يقال القبلية تكون قبلا لذاتها لا لغيرها فانقطع التسلسل لانا نقول كون الشيء قبلا لشيء آخر اضافة عارضة بالنسبة الى الغير و الاضافة العارضة للشيء بالنسبة الى الغير متأخرة عن المعروض و المتأخر عن الشيء يستحيل أن يكون نفس الشيء و عينه فاذا كون القبلية قبلا لشيء آخر أو معاله أو بعدا له يستحيل أن تكون عين ذاته و حينئذ يتوجه الاشكال و أيضا فتلك القبلية لا بد و أن تكون مسبوقة بقبلية أخرى فتكون احدى القبليتين بعد الاخرى فتكون احداهما موصوفة بالبعدية بالنسبة الى شيء و بالقبلية بالنسبة الى شيء آخر و ما كان كذلك لا يكون كونه قبلا لشيء و بعد الشيء آخر نفس ذاته بل اضافات زائدة على ذاته عارضة لها و يعود المحذور الثاني أن القبل قبل بالنسبة الى البعد و المضافان لا يوجدان فى العقل و الخارج الا معا و لو كانت القبلية صفة وجودية لما وجدت الا مع البعد فيلزم أن يكون البعد الزمانى من حيث انه بعد زمانى موجودا حال القبل الزمانى من حيث انه قبل زمانى و ذلك ينافى كونه قبلا و بعد الثالث و هو أن المقدمة الاولى من المقدمات هذه الحجة التي ذكرتموها أن عدم الحادث قبل وجوده فوصفتم العدم بالقبلية فلو كانت القبلية صفة وجودية لزم اتصاف المعدوم بالموجود و انه محال و ان تركوا تلك المقدمة و ذكروا بدلها مقدمة أخرى و هى أن كل محدث فهو مسبوق بوجود شيء آخر كان ذلك نفس المطلوب فيستحيل جعله مقدمة فى اثباته و اذا ثبت أن القبلية و البعدية ليستا من الامور الثبوتية لم يكن هنا حاجة الى اثبات موجود سابق على وجود الحادث ليكون ذلك الشيء موصوفا بالقبلية ثم لئن تجاوزنا عن هذا المقام لكنا نقول هذا الاشكال وارد عليكم أيضا لان كل واحد من أجزاء الزمان سابق على الجزء الآخر و ليس هذا السبق كسبق الواحد على الاثنين فان أجزاء الزمان لا توجد معا و ان كان هذا النوع من القبلية لا يحصل الا بالزمان ثم انه حاصل أيضا فى نفس الزمان فليفتقر الزمان الى زمان آخر و ان كان لا يفتقر الى زمان فقد بطل الاستدلال بالكلية لا يقال الفرق بين تقدم عدم الحادث على وجوده و بين تقدم بعض أجزاء الزمان على بعض من وجهين الأول ان الزمان موجود منقض لذاته بمعنى أن ماهيته و حقيقته تقتضى لذاتها أن يكون بعض أجزائها قبل البعض فلا جرم استغنت القبلية و البعدية الحاصلتان فيه عن زمان آخر فاما الحركات فليست كذلك لان الجزء المتقدم يعقل حصوله متأخرا و بالعكس فلا جرم لم يكن كونها قبلا و بعد النفس ذاتها فلا بد و أن يكون لامر آخر الثاني و هو أنا لو اعتقدنا أن كل واحد من أجزاء الزمان مسبوق بجزء آخر كفى ذلك فى حصول معنى القبلية و البعدية لان المعنى يكون
اليوم متأخرا عن الامس أنه غير حاصل عند حصول الامس فاما انتم اذا لم تثبتوا قبل أول الحوادث شيأ أصلا لم يمكنكم أن تشيروا قبل أول الحوادث الى شيء ما حتى تقولوا بان المعنى بحدوث هذا الشيء أنه لم يكن حاصلا عند حصول ذلك الشيء فظهر الفرق لانا نجيب عن الأول من وجهين