شرح الإشارات و التنبيهات - الرازي، فخر الدين - الصفحة ٢١٨ - (وهم تنبيه في أن ما سبق إلى أوهام الجمهور في احتياج المفعول إلى الفاعل
يضرنا ذلك فى عرضنا ففى مفهوم الفعل وجود و عدم و كون ذلك الوجود بعد العدم كأنه صفة لذلك الوجود محمولة عليه فاما العدم فلن بتعلق بفاعل وجود المفعول و أما كون هذا الوجود موصوفا بانه بعد العدم فليس لفعل فاعل و لا جعل جاعل اذ هذا الوجود لمثل هذا الجائز العدم لا يمكن أن يكون الا بعد العدم فبقى أن يكون تعقله من حيث هو هذا الوجود اما وجود ما ليس بواجب الوجود و اما وجود ما يجب أن يسبق وجوده العدم)
التفسير قال الشارح رضى اللّه تعالى عنه الشيء اذا وجد بعد عدمه بعدية زمانية ففيه بحثان أحدهما لفظى و الآخر معنوى أما اللفظى فهو أن لفظ المفعول و لفظ المحدث الزمانى هل هما متساويان حتى يكون كل محدوث زمانى مفعولا كل مفعول محدثا زمانيا أو يكون أحدهما أعم من الآخر و اعلم أن المتكلمين باسرهم اتفقوا على أن المفهوم من لفظ نقول فى اللغة العربية أخص من المفهوم من لفظ المحدث الزمانى لان لفظ المفهوم لا يتناول على سبيل الحقيقة الا المحدث الصادر عن القادر المختار فاما الذي لا يكون كذلك فانهم لا يسمونه بالفعل و اما الفلاسفة فانهم اتلفوا على أن المفعول أعم من المحدث الزمانى لانهم يسمون العالم مفعولا للبارى تعالى و البارى فاعلا له مع أن العالم عندهم غير محدث حدوثا زمانيا فظهر من هذا اتفاق المتكلمين و الفلاسفة على أن لفظ المحدث الزمانى و لفظ المفعول ليسا متساويين بل أحدهما أعم من الآخر الا أن المتكلمين زعموا أن لفظ الفعل أخص من لفظ المحدث و الفلاسفة زعموا أنه أعم منه و استدل الشيخ على فساد قول المتكلمين بانه لو كان الامر كذلك لكان قول القائل فعل بالاختيار تكريرا لانه اذا كان كونه واقعا بالاختيار جزأ من مسمى لفظ الفعل كان ذكره بعد ذكر لفظ الفعل تكريرا و لكان قوله فعل بالطبع متناقضا لان كونه بالاختيار اذا كان جزأ من مسمى لفظ الفعل و كونه بالطبع منافيا لكونه بالاختيار كان قولنا فعل بالطبع متناقضا و اعلم أن هذا البحث بحث لغوى صرف و المتكلمون زعموا كون الأول تكريرا و كون الثاني تناقضا و هذا هو صريح مذهبهم و نص قولهم فلا معنى لالزام ذلك عليهم و الانصاف أن الحق ما ذهب اليه المتكلمون لان أهل اللغة لا يسمون النار فاعلة للاحراق و لا الماء فاعلا للتبريد و المرجع فى أمثال هذه المباحث الى الادباء و اذا كان كذلك صح ما قلناه و أما البحث المعنوى فمن وجهين أحدهما أن المفتقر من المحدث الى الفاعل الى شيء هو عدمه السابق أو وجوده الحاصل أو كونه مسبوقا بالعدم و ثانيهما أن علة افتقاره الى الفاعل ما هى أ هي العدم السابق أو الوجود الحاصل أو كونه مسبوقا بالعدم أو أمر رابع مغاير لهذه الامور الثلاثة و كلام الشيخ فى هذا الفصل مجمل و محتمل لكل واحد من هذين الامرين و ان كان الاولى حمله على الوجه الأول و نحن نتكلم فى كل واحد من الموضعين فنقول ان كان المراد الأول فلا يجوز أن يكون المفتقر الى الفاعل هو العدم السابق و ذلك معلوم بالضرورة لانه نفى محض و عدم صرف فاى تأثير يكون للمؤثر فيه و اما كونه مسبوقا بالعدم فهو أيضا ليس بالفاعل لان كونه مسبوقا بالعدم كيفية واجبة الحصول للمحدث بشرط حصول الوجود له و الوجود و ان لم يكن واجب الحصول له و لكن حصول هذه الكيفية أعنى الحدوث عند حصول الوجود واجب و لا استبعاد فى أن يكون اتصاف الشيء ببعض الصفات جائزا الا أنه بحيث متى اتصف به فانه يكون اتصافه بصفة أخرى عند ذلك واجبا و اذا ثبت أن الحدوث صفة واجبة استحال افتقاره الى الفاعل و لما بطل القسمان ثبت ان المفتقر الى الفاعل هو الوجود الحاضر فهذا اذا بحثنا عن المفتقر الى الفاعل و أما البحث عن علة الافتقار فنقول العدم السابق لا يجوز أن يكون علة لذلك الافتقار لانه نفى محض و لا لذلك الحدوث لانه كيفية مفتقرة الى الوجود المفتقر الى الايجاد المفتقر الى احتياجه الى ذلك الموجد المفتقر الى علة احتياجه اليه فلو جعلنا العلة هى الحدوث لزم تأخر الشيء عن نفسه بمراتب و هو محال و هذه الدلالة غير مذكورة فى الكتاب لكن لا بد منها فى اثبات المطلوب فهذا محصل ما فى هذا الفصل و لنرجع الى تفسير المتن قوله اذا كان شيء من الأشياء معدوما الى قوله فلسنا نلتفت الآن الى ذلك فاعلم أن المراد منه أن الشيء اذا وجد بعد عدمه لاجل شيء آخر فانا نسميه مفعولا سواء كان المفهوم من لفظ المفعول مساويا للمفهوم الأول أو أعم أو أخص و اما قوله على أن الحق أن هذه أمور زائدة الى قوله فليس يضرنا ذلك فى غرضنا فاعلم أن المراد منه البحث اللغوى الذي قررناه و أما قوله ففى مفهوم الفعل الى آخره فالمراد منه البحث المعنوى الذي ذكرناه و لكنه لم يصرح بان الغرض منه البحث عن الامر المفتقر الى الفاعل أو البحث عن علة الافتقار لكن الأول أولى لانا لو حملناه على البحث الثاني لم يكن كون