شرح الإشارات و التنبيهات - الرازي، فخر الدين - الصفحة ١٦٣ - (اشارة في أن النفس الناطقة ليس بجسم و لا جسماني
و فى المعقولات معان غير منقسمة لا محالة و الا لكانت المعقولات انما تلتئم من مبادلها غير متناهية و مع ذلك فانه لا بد فى كل كثرة متناهية أو غير متناهية عن واحد بالفعل و اذا كان فى المعقولات ما هو واحد بالفعل و يعقل من حيث هو واحد فانما يعقل من حيث ينقسم فاذن لا يرتسم فيما ينقسم فى الوضع و كل جسم و كل قوة فى الجسم منقسم)
التفسير انه لما بين اثبات الجوهر المفارق على ان النفس الانسانية ليست جسما و لا جسمانيا احتاج الى اثباته بالبرهان فذكر هاهنا برهانا واحدا يصح منه ما بناه عليه ثم ذكر سائر البراهين على ذلك فى مسئلة النفس لان ايراد مسئلة النفس فى النمط المترجم بالتجريد أولى من ايرادها فى هذا النمط و اذا عرفت ذلك فنقول الشيء الذي لا يكون منقسما قد تقارنه أمور كثيرة و لا يلزم من مقارنته لها صيرورتها منقسما و لكن بشرط أن لا تكون تلك الامور الكثيرة متميزة فى الوضع أما اذا كانت تلك الامور متميزة فى الوضع مثل أجزاء البلقة فان السواد متميز فى الوضع و الاشارة من البياض فمثل هذه الكثرة يستحيل أن تكون مقارنة لشيء لا يقبل الانقسام أو يقارنها شيء لا يقبل الانقسام و اعلم أن الشيخ لم يصحح هذه الدعوى بالحجة و لا بد منها فنقول الشيء المنقسم فى الوضع لو كان به شيء غير منقسم لا يخلو اما أن بوجد فى أجزاء ذلك المنقسم شيء من غير المنقسم أولا يوجد و ان لم يوجد كان جميع أجزائه خالية عن ذلك المقارن فلا يكون المقارن بمقارن هذا خلف و ان وجد فى تلك الاجزاء شيء من ذلك المقارن فلا يخلو اما أن يوجد المقارن بتمامه فى كل واحد واحد من تلك الاجزاء أو يكون الموجود منه فى كل جزء غير ما وجد فى الجزء الآخر و الأول باطل اما أولا فلانه يلزم أن يكون ذلك الشيء حاصلا فى ذلك المنقسم لا مرة واحدة بل مرارا غير متناهية لان ذلك المنقسم قابل للانقسام الى أجزاء غير متناهية و اما ثانيا فلان ذلك المقارن لما استحال كونه مقارنا لكل ذلك المنقسم بل لا يمكن الا أن يكون مقارنا لكل واحد من أجزاء ذلك المنقسم ثم ان كل واحد من أجزاء ذلك المنقسم أيضا منقسم فهو اذا غير موجود فى شيء من أجزاء المنقسم و الثاني ايضا باطل لانه اذا كان الموجود من كل واحد من الاجزاء غير ما وجد فى الآخر لم يكن الشيء الواحد حاصلا فى المنقسم بل اما أشياء كثيرة أو أجزاء شيء واحد و على التقديرين يخرج منه أن الشيء الواحد لا يقارنه شيء منقسم فى الوضع و هذه الحجة على ظهورها منقوضة بالنقطة فانها غير منقسمة فهى ان كانت متجزئة فقد ثبت الجزء الذي لا يتجزأ و هو باطل و بتقدير ثبوته فهو يبطل أصل البرهان لان المطلوب من هذا الفصل بيان أن من العلوم ما يستحيل عليه القسمة و كل متحيز منقسم فاذا محل العلوم شيء ليس بمتحيز و لا قائم بالمتحيز فاذا أثبتنا متحيزا غير منقسم بطل الدليل و أما ان لم يكن متحيزا كان عرضا فله محل و محله ان لم يكن منقسما عاد الانتهاء الى الجزء الذي لا يتجزأ أو قيام كل عرض بعرض لا الى نهاية و مع ذلك فلا بدّ من محل غنى عن محل آخر و الا لكانت الاعراض المتناهية أو غير المتناهية موجودا لا فى محل فحينئذ لا تكون نهاية الخط موجودة فيه فلا يكون للخط المتناهى نهاية و هذا خلف و أما ان كان محل النقطة شيأ منقسما لم يلزم من حلول الشيء فى المنقسم كونه منقسما و عند هذا لا ينفع ما يقال من أن النقطة و ان كان حلوله فى المحل الا انها غير سارية فيه و نحن انما نوجب انقسام الحال لانقسام المحل لاجل ان ذلك الحلول حلول مخصوص لا يقتضى الانقسام و لم يمكنكم القطع على أن العلم لوحل فى الجسم لا يقسم بانقسامه لاحتمال أن يكون حلوله فيه لا على وجه الزمان و بالجملة لا يكون حالا فيه حلولا لا يقتضى الانقسام و حينئذ تبطل الحجة و لمجيب أن يجيب و يقول النقطة نهاية الخط و هى أمر عدمى فاندفع الاشكال و اعلم أن الكلام فى أن النقطة أمر وجودى أو عدمى طويل و ان كان الاظهر المشهور كونه وجوديا و من الشكوك أن الوحدة عرض غير قابل للقسمة ثم انها حالة فى الجسم و الاضافة أيضا غير قابلة للانقسام لانا نعلم بالضرورة أنه يستحيل أن يقال ان