شرح الإشارات و التنبيهات - الرازي، فخر الدين - الصفحة ١١٠ - (اشارة في البحث عن العناصر من حيث هي أركان العالم
و أنت اذا تعقبت جميع الاجسام التي عندنا وجدتها منتسبة بحسب الغلبة الى واحد من هذه)
التفسير لما تكلم فى صفات هذه الاجسام الأربعة أراد أن يبين انها هى الاصول للكون و الفساد الموجودين فى عالمنا هذا و انها هى الاركان الأول و اعلم أن اعتبار كونها أصولا للكون و الفساد لان الركن جسم بسيط هو جسم ذاتى للعالم و أصل الكون و الفساد هو الذي يكون محلا لهما فكون هذه الأربعة أركانا أمر يعرض لها بالنسبة الى العالم و كونها أصولا للكون و الفساد أمر يعرض لها لا بالنسبة الى العالم بل بالنسبة الى الكون و الفساد و أحد الاعتبارين مغاير للثانى ثم ان الشيخ بين أوّلا فى هذا الفصل انها هى الاركان لعالمنا هذا و ثانيها انها هى الاصول للكائنات الفاسدات و انما قدم الاوّل على الثاني لان اعتبار كون كل واحد منها جزأ من أجزاء العالم حالة طبيعية عرضت لكل واحد منها بالنسبة الى كل العالم و كون كل واحد منها أصلا للكون و الفساد حالة له بالنسبة الى أمر غير طبيعى له و الامر الطبيعى متقدم على غير الطبيعى فلا جرم كونها أركانا قبل كونها أصولا فلا جر قدم بيان كونها أصولا فاما بيان انها هى الاركان لهذا العالم فهو قوله فبالحرى ان تتم بها عدة ذوات الحركة المستقيمة حتى يوجد خفيف مطلق بنحو نفس جهة فوق كالنار و ثقيل مطلق كالارض و خفيف ليس بمطلق كالهواء و ثقيل ليس بمطلق كالماء و انما يحتاج هاهنا الى بيان أمرين أحدهما تفسير الثقيل و الخفيف المطلقين و غير المطلقين و ثانيهما بيان ان هذه الأربعة يكفى فى ان تتم بها عدد الاجسام المستقيمة الحركة فانا متى بينا ذلك ثبت ان أركان عالمنا ليست الا هذه الأربعة أما الأول فالثقيل المطلق هو الذي لو لم يمنعه مانع لا يطبق مركز ثقله على مركز العالم حتى يكون رأسنا تحت الاجسام كلها و الخفيف المطلق هو الذي لو لم يمنعه مانع لتحرك حتى تماس سطحه سطح الفلك و أما الثقيل الاضافى فانه يعتبر ذلك على وجهين أحدهما هو الذي بطباعه يتحرك فى أكثر المسافة الممتدة بين حدى الحركة المستقيمة حركة الى الوسط لكنه لا يبلغه و قد يعرض له أن يتحرك عن الوسط مثل الماء فانه اذا حصل فى حيز النار و الهواء يحرك منهما الى الوسط و لم يبلغه و اذا حصل فى حيز الارض بالحقيقة و هو الوسط يحرك عنه بالطبع ليطفو عليها فلا جرم كان ثقل الماء اضافيا من هذا الوجه و ثانيهما ان الماء اذا قيس الى الارض نفسه و كانت الارض سابقة الى الوسط فيصير الماء عند الارض خفيفا فهو يكون ثقيلا بالاضافة من هذا الوجه و هذا الوجه قريب من الاوّل الا انه مغاير له فان هذا باعتبار انه و ان شارك الارض فى حركته الى الوسط لكنه بتخلف عنه و أما ذلك باعتبار انه لا يريد من الوسط الحد الذي تريده الارض بعينه و اذا عرفت الثقيل المضاف فقس عليه الخفيف المضاف و انما قال الشيخ ثقيل ليس بمطلق و لم يقل ثقيل مضاف فاما أوّلا فلان القضية تصير منفصلة حقيقة بالعبارة الاولى دون الثانية و أما ثانيا فلان الوجه الأول من الوجهين المذكورين فى بيان ان ثقل الماء اضافى لا يقتضى عند التحقيق كونه اضافيا لان حاصله يرجع الى انه لا يريد حقيقة الوسط و هذا ليس من الاضافة فى شيء فتسميته بالثقل الاضافى من هذا الوجه يكون مجازا و أما تسميته بانه ثقيل ليس بمطلق فهو على سبيل الحقيقة فلا جرم كانت هذه العبارة أولى و هاهنا بحث و هو ان لقائل أن يقول لا نسلم ان فى الهواء ميلا صاعدا و الا لكنا اذا بسطنا كفنا و أوقفناها فى الهواء وجدنا فيه مدافعة الى فوق كما انا اذا وضعناه تحت حجر وجدنا فيه مدافعة الى الاسفل و لما لم نجد المدافعة الفوقانية علمنا ان الهواء ليس فيه ميل صاعد بيان الشرطية انا اذا قلنا الهواء صاعد عنينا به ان مطلوبه أن يلتصق بسطح النار كما انا اذا قلنا الارض هاوية بالطبع عنينا به ان طبيعته تقتضى ان ينطبق مركز ثقلها على مركز العالم و كما ان الارض ما لم تصر بهذه الحالة كان الميل المسفل موجودا فيه بالفعل فكذا الهواء ما لم تصر الحالة المذكورة كان الميل الصاعد موجودا فيه بالفعل فاذا بسطنا كفنا فى الهواء و أوقفناها كان الهواء الذي تحت كفنا غير واصل الى الامر الطبيعى له فوجب أن يكون الميل الصاعد حاصلا فيه بالفعل و الميل محسوس فوجب أن يكون ذلك الميل محسوسا و أما بيان أن هذه الاجسام الأربعة يكفى فى أن يتم بها عدد الاجسام المستقيمة