شرح الإشارات و التنبيهات - الرازي، فخر الدين - الصفحة ٩١ - (اشارة في إثبات مبدء ميل مستدير محدد الجهات
فعلين متقابلين و هذا محال فثبت أن المحدد بسيط و انما قلنا ان كل بسيط فانه يصح عليه الحركة المستديرة لان الاجزاء المفروضة فيه لا بد و أن تكون متشابهة فى تمام الماهية و كل أجزاء هذا شأنها وجب أن يصح على كل واحد منها كل ما يصح على الآخر لان المتساويين فى تمام الماهية يجب اشتراكهما فى جميع اللوازم و كل جزء يفرض ملاصقا لجزئهما فى حشوه أو مسامتا له فانه يلزم أن يصح على سائر الاجزاء تلك الملاقاة و المسامتة و اذا كان كذلك كان الانتقال جائزا على الفلك فثبت أن الفلك يصح الحركة المستديرة عليه و لقائل أن يقول قد بينا فى النمط أنه لا دليل على أن كل ما صح على الشيء وجب صحته على مثله لاحتمال أن تكون شخصيته شرطا لذلك أو شخصية الآخر مانعة عنه الثاني انه لما ثبت صحة الحركة المستديرة عليه وجب أن يكون فيه ميل لما ثبت أن ما لا ميل فيه لا يقبل الحركة و لقائل أن يقول هذا مغالطة صرفه لان المعلول له امكانان أحدهما الامكان العائد اليه من حيث انه هو و ذلك حاصل له من ذاته سواء أفرض معه وجود العلة و الشرط أو عدمهما و الآخر الامكان الذي هو الاستعداد التام و ذلك مما لا يثبت الا عند حضور القابل و الفاعل و لحصول جميع الشرائط و ارتفاع جميع الموانع فان عنيتم بقولكم الفلك يمكن أن يكون متحركا الامكان الأول فهو مسلم لكنه لا يدل على وجود الميل الذي هو شريطة لوجود الحركة لان الاستدلال بكون الفلك من حيث هو هو قابلا للحركة على حصول شرط الحركة استدلال باطل و هو مثل أن يقال هذا القطن ممكن الاتصاف بالاحتراق يستحيل حصوله الا عند المحرق فلما ثبت امكان الاحتراق فى القطن وجب حصول المحرق فيه بالفعل و كما أن ذلك باطل فكذا ما ذكروه و ان عنيتم به كون الفلك مستعدا استعدادا تاما للحركة فهذا لا يكفى فى العلم به العلم بان الفلك فى نفسه قابل للحركة لان العلم بالاستعداد لا يحصل الا بعد العلم بحصول جميع الشرائط و من جملة تلك الشرائط حصول الميل فاذا لا يمكن العلم بكون الفلك ممكن الاتصاف بالحركة المستديرة امكانا تاما الا بعد وجود الميل و الاستدلال على وجود الميل بامكان هذه الحركة يقتضى توقف كل واحد منهما على الآخر و هو محال فظهر أن ما ذكروه مغالطة صرفة الثالث الفلك متحرك لانه يثبت بما ذكرنا حصول الميل فى الفلك و الميل قوة محركة و الفلك لا عائق فيه عن قبول الحركة لما ذكرنا أنه بسيط و متى وجدت القوة المتحركة خالية عن العائق وجب أن يقتضى التحريك فيلزم منه القطع بكون الفلك متحركا هكذا قرره الشيخ فى النجاة فانه بعد ان أقام الدلالة على أن الجسم القابل للنقل القسرى لا بد و أن يكون فيه ميل قال فقد بان و صح أن كل قابل حركة ففيه مبدأ ميل الى جهة بالطبع و اذا هذا الجسم قابل لتحريك ففيه مبدأ ميل و ليس الى الاستقامة فهو الى الاستدارة فهو بالطبع متحرك على الاستدارة و هذا لقطه فيها و لقائل أن يقول انهم انما أقاموا الدلالة على أن كل ما يقبل الحركة القسرية فلا بد فيه من ميل عائق عن الحركة لا على أنه لا بد فيه من ميل يقتضى الحركة فكيف يجوز الاستدلال بذلك على كون الفلك متحركا لا يقال ذلك الميل العائق لا يكون ميلا الى السكون و الا لكان ذلك الوضع أولى بالفلك من غيره و هو باطل على ما مر و لا الى الحركة المستقيمة لان ذلك محال كما مر فوجب أن يكون ميلا الى الحركة المستديرة الى جهة أخرى و اذا كان كذلك فقد وجد ما يقتضى كون الفلك متحركا على الاستدارة فيجب كونه متحركا بالاستدارة لانا نقول حاصل هذا الكلام أن الميل العائق من الحركة لا بد و أن يكون مقتضيا لحركة أخرى لكن كما ان هذا عائق عن الحركة الاولى فعله الحركة الاولى عائق لهذا الميل عن التحريك و اذا كان كذلك امتنع الاستدلال بمثل هذا الميل على وجود الحركة لاحتمال أن يتعرق كل واحد منهما بالآخر و يبقى الجسم خاليا عن الحركة ثم لئن سلمنا له ذلك لكنه يقتضى أن يكون جميع البسائط العنصرية متحركة بالاستدارة بطباعها لانها اذا كانت بسائط كانت الحركة المستديرة عليها صحيحة على