شرح الإشارات و التنبيهات - الرازي، فخر الدين - الصفحة ٦٥ - تنبيه في البحث عن المقادير
المقدار فذكر أولا ان الجسمية ينتهى ببسيط و هو قطعه و انما لم يقل نهاية الجسم هو البسيط بل قال ينتهى بسيط لان المضاف المشهورى أ لا ترى انها مقولة بالقياس الى غيرها فانك تقول النهاية نهاية لذى النهاية و البسيط كم بذاته فاذا قول القائل البسيط نهاية الجسم خطأ بل البسيط هو الذي به يتناهى الجسم و الفرق بين نفس النهاية و بين الشيء الذي به النهاية ظاهر فان قيل ما الدليل على أن الشيء الذي به يتناهى الجسم هو البسيط فنقول لان الجسم قابل لفرض الابعاد الثلاثة و الشيء الذي يكون نهاية لقابل الابعاد الثلاثة من حيث هو نهاية لمثل ذلك فمقتضاه أن يكون قابلا لفرض بعدين فقط و ذلك هو البسيط و اذا عرفت هذه الجملة عرفت تفسير قوله و البسيط ينتهى بخطه و هو قطعه و الخط ينتهى بنقطة و هو قطعه و أما قوله و الجسم يلزمه السطح لا من حيث يتقوم جسميته بل من حيث يلزمه التناهى بعد كونه جسما فلا كونه ذا سطح و لا كونه متناهيا أمر يدخل فى تصوره جسما و لذلك قد يمكن قوما أن يتصوروا جسما غير متناه الى أن يتبين لهم امتناع ما يتصورونه فاعلم أن المراد من ذلك ان السطح و التناهى ليسا جزءين من ماهية الجسم لانا يمكننا أن نتصور جسما غير متناه و الشيء لا يعقل الا بعد تعقل أجزائه فلو كان التناهى و التشكل داخلين في الجسم لاستحال أن يعقل الجسم الا بعد تعقل كونه مسطحا متناهيا فلما لم يكن كذلك علمنا انهما غير داخلين فى ماهية الجسم و لقائل أ لسنا نعرف الجسم ثم نعرف بعد ذلك كونه متألفا من الهيولى و الصورة بالحجة و لم يقدح ذلك فى كون الهيولى جزأ من ماهية الجسم و لم يكن ذلك الا لانا قبل العلم بتألفه من الهيولى و الصورة ما كنا نعرف الجسم بحده الحقيقى بل بالرسم أو لانه لا يلزم من العلم بماهية الشيء العلم بجملة ذاتياته فكيف ما دارت القضية فلم لا يجوز مثله فى السطح و التناهى فهذا هو الكلام فى شرح قوله ان الجسم يلزم السطح لا من حيث يتقوم جسمية فاما قوله بعد ذلك بل من حيث يلزمه التناهى بعد كونه جسما فاعلم أن ذلك مشعر بان السطح انما يلزمه بواسطة كونه متناهيا لكن كل ما يعرض لشيء بواسطة شيء آخر فان ثبوت الواسطة للمعروض له أقدم من ثبوت ذى الواسطة له فيلزم من هذا أن يكون عروض النهاية للجسم قبل عروض السطح للجسم و هذا باطل لانا بينا أن النهاية اضافة عارضة للسطح و العارض يتأخر عن المعروض فكيف يكون عروض النهاية للجسم متقدما على عروض السطح له و يمكن أن يجاب عنه بأن من الجائز أن يكون شيء متأخر عن شيء آخر فى وجوده الا أن ثبوت ذلك المتأخر لشيء ثالث يكون متقدما على ثبوت ذلك المتقدم لذلك الشيء مثل ما ذكرنا فى المنطق أن برهان اللمى قد يكون الاوسط فيه معلول الاكبر فى ذاته و لكنه يكون علة لثبوت الاكبر للاصغر فكذا هاهنا ثم الذي يدل على عروض السطح للجسم بواسطة التناهى هو انا نحتاج فى اثبات السطح للجسم الى اثبات التناهى فاما ما لم يتصور كونه متناهيا لم يحكم بان له سطحا و لو لا أن ثبوت السطح للجسم بواسطة ثبوت التناهى له و الا لما كان كذلك لان العلم بثبوت الاوسط للاصغر فى برهان اللمى لا يتوقف على العلم بثبوت الاكبر له و أما قوله و أما السطح كسطح الكرة من غير اعتبار حركة أو قطع فيوجد و لا خط فاعلم انه لما فرغ من بيان أن السطح غير لازم للجسم فى الذهن بين أن الخط غير لازم له لا فى الذهن و لا فى الخارج فان الكرة التي لا يكون فيها قطع و لا حركة فلا يكون فيها خط فاما غير الكرة و هى المضلعات فهو لا ينفك عن الخطوط و كذا الكرة التي فيها قطع و كذا الكرة المتحركة فانه يكون لها قطبان بالفعل لانهما ساكنان عند حركتهما فتانك النقطتان تميزنا عن سائر النقط الممكنة بهذه الخاصة الحاصلة بالفعل فهما اذا حاصلتان بالفعل و هما نقطتان و حصل أيضا محور و منطقة و ذلك خط فثبت بهذا أن السطح قد يوجد مع عدم الخط و أما قوله و الخط كمحيط الدائرة قد يوجد و لا نقطة فمعناه ظاهر و أما قوله فاما المركز فعند ما يتقاطع اقطار و عند حركة ما و بالعرض فاعلم أن معناه أن الدائرة لا يكون مركزها موجودا بالفعل الا لاحد وجوه ثلاثة أحدها عند ما يتقاطع الاقطار
فان نقطة التقاطع منها تكون موجودة بالفعل و تكون هى مركزها و ثانيها عند حركة الدائرة حركة مستديرة فان المركز لا يتحرك فلاجل اختصاصها بهذه الخاصة تكون موجودة بالفعل و ثالثها الوهم و العرض فاما اذا لم يوجد شيء من هذه الاسباب فان وجود نقطة فى الوسط لا يكون الا بالقوة كما أن وجود نقطة فى الثلثين و الثلث و الربع و سائر الاجزاء التي لا نهاية لها بالقوة لا بالفعل فان المقدار الواحد لا يفرض فيه وسط و لا ثلث و لا بيان و لا سائر الاجزاء التي ممكن فرضها فى المقادير الا بعد وقوع ما لا يكون واجب الوقوع فيها مثل حركة أو تجربة أو وهم و اذا سمعت فى تحديد الدائرة و فى داخلها نقطة بالفعل فمعناه يتأتى أن يفرض فيها نقطة كما يقولون الجسم هو المنقسم فى جميع الاقطار و معناه انه يتأتى القسمة فيها و لقائل أن يقول الدائرة قبل تقاطع الاقطار و الحركة و الفرض هب انه ليس فيها شيء من النقطة بالفعل و لكن لا شك ان امكان حصول النقطة فيها حاصل فيه بالفعل ثم ان النقطة المركزية لا يمكن حصولها الا فيه فحصول هذا الامكان فيه بعينه دون غيره أبدا يوجب امتيازه بالفعل عن سائر الموضع و هذا المعنى حاصل قبل تقاطع الاقطار فيها و قبل حركة الدائرة و قبل الفرض و الوهم فاذا مركز الدائرة يكون موجودا أبدا فيها