شرح الإشارات و التنبيهات - الرازي، فخر الدين - الصفحة ١٩٨ - (اشارة إلى أن كل سلسلة لا بد أن تنتهي إلى طرف
(اشارة [في بيان أن جملة مشتملة على علل و معلولات لا بد من اشتمالها على علة]
كل جملة مرتبة من علل و معلولات على الولاء و فيها علة غير معلولة فهى طرف لانها ان كانت وسطا فهى معلولة)
التفسير و لما ثبت افتقار جملة تلك الاسباب و المسببات الممكنة الغير المتناهية الى شيء خارج عنها فذلك الخارج وجب أن لا يكون ممكنا و معلولا لانه لو كان كذلك لكان أحد تلك الجملة لا يكون شيأ خارجا عنها و اعلم أنه يريد بالطرف الواجب و بالوسط الممكن لان كل ممكن مستند الى غيره فيكون كانه فى الوسط و الواجب لا يستند الى غيره فيكون كالطرف فقوله كل جملة فيها علة غير معلولة فهى طرف بمعنى فهى واجبة و قوله لانها ان كانت وسطا فهى معلولة معناه ان كانت ممكنة كانت معلولة لكنا فرضنا انها غير معلولة هذا خلف
(اشارة [إلى أن كل سلسلة لا بد أن تنتهي إلى طرف]
كل سلسلة مرتبة من علل و معلولات كانت متناهية أو غير متناهية فقد ظهر أنها اذا لم يكن فيها الا معلول احتاجت الى علة خارجة عنها لكنها يتصل بها لا محالة طرفا و ظهر أنه ان كان فيها ما ليس بمعلول فهو طرف و نهاية فكل سلسلة تنتهى الى واجب الوجود بذاته)
كل سلسلة مرتبة من علل و معلولات سواء فرضناها متناهية أو غير متناهية فلا يخلو حالها من أحد قسمين فاما أن يكون جميع آحادها معلولا أولا يكون بل يكون فى آحادها ما لا يكون معلولا فان كان الأول افتقرت الى علة خارجة عنها و الخارج عن جميع الممكنات ليس بممكن بل واجب و هو الطرف فتلك الجملة طرف و ان كان القسم الثاني و هو أن يكون فى جملة آحادها ما ليس بمعلول و الذي لا يكون معلولا فهو واجب لذاته و هو طرف فاذن كل سلسلة فهى لا محالة منتهية الى واجب الوجود لذاته و هو الطرف و هذا آخر كلام الشيخ هاهنا فى اثبات واجب الوجود و قد بقى هاهنا مقام آخر و هو ابطال الدور و هو أن يكون هذا يترجح بذلك و ذلك يترجح بهذا و اعلم أن الدور باطل و المعتمد فى ابطاله أن يقال العلة متقدمة على المعلول فلو كان كل واحد منهما علة للآخر لكان كل واحد منهما متقدما على الآخر و اذا كان كذلك كان كل واحد منهما متقدما على المتقدم على نفسه و المتقدم على المتقدم على الشيء متقدم على ذلك الشيء فيلزم تقدم كل واحد منهما على نفسه و ذلك محال و لقائل أن يقول اما ان تعنى بتقدم العلة على المعلول التقدم بالزمان أو بالذات أو بمعنى ثالث و الأول باطل بالاتفاق و أيضا فاذا انفكت العلة عن المعلول فى زمان واحد جاز انفكاكها عنه فى سائر الازمنة و ما كان كذلك لم يكن علة للشيء و أيضا فاذا وجدت العلة فى الزمان الأول خالية عن المعلول ثم حصل المعلول فى الزمان الثاني فتأثير العلة فى المعلول اما أن يكون فى الزمان الأول أو فى الزمان الثاني فان كان الأول كان وجود المعلول متأخرا عن وقت وجود العلة و قد بينا أنه متى كان كذلك انسد على الفلاسفة باب اثبات واجب الوجود و ان كان الثاني لم تكن العلة متقدمة على المعلول فى الزمان لانه انما صار علة لذلك المعلول فى الزمان الثاني و قد حصل المعلول معه فى ذلك الزمان و الثاني أيضا باطل لانا سنبين بعد ذلك ان شاء اللّه تعالى انا لا نعقل من التقدم بالذات على المعلول الا كون العلة مؤثرة فى المعلول فقول القائل لو كان شيئان كل واحد منهما علة للآخر لكان كل واحد منهما متقدما على الآخر يرجع معناه الى أنه لو كان شيئان كل واحد منهما علة للآخر لكان كل واحد منهما علة للآخر و لا يبقى حينئذ فرق بين التالى و المقدم أصلا بلى لو فسرنا نقدم العلة على المعلول ما مر وراء التأثير لكان الكلام مستقيما و لكن الشأن فيه و أما الثالث فلا بد من بيانه ثم لئن وقعت المساعدة على ذلك لكان فى قولنا المتقدم على الشيء متقدم على ذلك الشيء كلام فان ذلك التقدم ان كان بالزمان كان صحيحا و ان كان بالذات فهو ممنوع و فيه بحث ذكرناه فى كتاب النهاية و الانصاف أن الدور معلوم البطلان بالضرورة و لعل الشيخ انما تركه لذلك
(المسألة الرابعة) فى وحدة واجب الوجود خمسة فصول
قال رضى اللّه عنه البرهان الذي تمسك الشيخ به فى اثبات هذا المطلوب مفتقر الى مقدمتين فلاجل ذلك تكلم الشيخ أولا فى تينك المقدمتين ثم خاض بعد ذلك فى البرهان