شرح الإشارات و التنبيهات - الرازي، فخر الدين - الصفحة ١٨٨ - (موعدة و تنبيه في بيان ما هو لذاته غاية حصول الوضع الكلي
هى حركات نفسانية أما قوله و لمثل هذا ما تتخصص الارادة بشيء جزئى حتى تكون الارادة الكلية مقابلها مراد كلى و لا يجب له تخصص جزئى فمعناه أن الارادة الكلية ما لم تتخصص بشيء لم يظهر عنها فعل جزئى فان الارادة الكلية مقابلها و مقتضاها مراد كلى و الكلى نسبته الى جميع الجزئيات عن السواء فيستحيل أن يحصل فيه تخصص جزئى و أما قوله و نحن فربما قضينا قضاء كليا من مقدمات كلية فيما يجب أن يفعل ثم أتبعناها قضاء جزئيا ينبعث منه شوق و ارادة متعينان ضربا من التعين الوهمى فينبعث منه القوة المحركة الى حركات جزئية تصير مرادة لاجل المراد الاولى فمعناه انا ربما حكمنا حكما كليا ان الشيء الفلانى ينبغى أن يفعل ثم نتبع هذا الحكم الكلى حكم آخر جزئى ثم نتبع ذلك الحكم الجزئى شوق جزئى فينبعث القوة المحركة الى إيجاد حركات جزئية فيكون السبب الأول لهذه الافعال الجزئية تلك الارادات الكلية و لكنها ما كانت كافية بل لا بد معها من الارادات الجزئية و لقائل أن يقول لا نزاع أنه لا بد من ارادة حصول حركة جزئية و لكن هذه الارادة أيضا كليه لان الحركة الجزئية طبيعة كلية لانه يصح فيها أن تكون مقولة على كثيرين مختلفين بالعدد فان كل حركة شخصية فهى جزئية و الحركة الجزئية تتناول كل واحد واحد منها فيكون هذا المفهوم كليا فارادته تكون ارادة للكلى لا للجزئى بل ارادة الجزئى لا يمكن أن تكون مؤثرة لان ارادة الجزئى نسبة خاصة للارادة الى الجزئى و النسبة متأخرة عن المنسوبين فتعلق الارادة بذلك الجزئى متأخر عن ذلك الجزئى و المتأخر عن الشيء يستحيل أن يكون مؤثرا فيه
(موعدة و تنبيه [في بيان ما هو لذاته غاية حصول الوضع الكلي]
أما الشيء الذي يتشوقه الجرم الأول فى حركته الارادية فوعد بيانه بعد ما نحن فيه الا انك يجب أن تعلم أنه لن يتحرك متحرك ارادى الا لطلب شيء أن يكون للطالب أولى و أحسن من أن لا يكون اما بالحقيقة و اما بالظن و اما بالنخيل العبثى فان فيه ضربا خفيفا من طلب اللذة و الساهى و النائم انما يفعل و هو يتخيل لذة ما أو تبديل حالة ما مملولة و ازالة و صب ما فان النائم يتخيل و أعضاؤه أيضا قد تطيع تحريكه عن تخيله لا سيما فى حالة يكون بين النوم و اليقظة أو فى الشيء الضرورى كالنفس أو فى الشيء الذي يصير كالضرورى كمن يرى فى منامه سببا مخوفا جدا أو حبيبا جدا فربما انزعج للهرب أو الطرب و اعلم أن التخيل شيء و الشعور بالتخيل هو ذا تخيل شيء و انحفاظ ذلك الشعور فى الذكر شيء و ليس يجب أن ينكر وجود التخيل لاجل فقدان أحد الامرين)
التفسير لما بين أن المقصود من الحركة الفلكية أمر سواها و بين أن ذلك الامر هو وضع معين كلى ثم ان تحصيل الوضع المعين الكلى ليس مقصودا بالذات انما هو بالتشبه بالعقل المفارق و هذا انما بينه فى النمط السادس من هذا الكتاب لا جرم وعد بان بيانه سيجىء فيما بعد ثم انه بعد ذلك شرع فى أن الفعل بدون الداعى محال و قد مرت هذه الدعوى فيما تقدم الا انه أعادها هاهنا فقال ان الفاعل بالارادة لا يمكن ان يريد فعلا دون فعل الا اذا علم أو ظن أو اعتقد ان ذلك الفعل أولى له من عدمه ثم انه قنع بالدعوى و ما شيدها بحجة و الحجة فيه ما ذكرنا فيما تقدم ثم انه شرع بعد ذلك فى الاشكالات المذكورة على هذه القاعدة و هى أمور أحدها الافعال العبثية صادرة لا عن الداعى فانه لا منفعة للانسان فى أن يتعبث بالتبنة الملقاة فى الطريق و ان يتعبث بشعرة واحدة من شعرات لحيته فأجاب بان فى ذلك التعبث ضربا خفيا من اللذة و أما التعبث بالشعرة المعينة فلان اليد ربما كانت أقرب اليها منها الى غيرها و ثانيها الساهى و النائم يفعل أفعالا من غير الداعى و الجواب أن الافعال الصادرة عنهما لاجل أمور و هى اما لاجل تخيل لذة أو تبديل حالة مملولة أو ازالة