شرح الإشارات و التنبيهات - الرازي، فخر الدين - الصفحة ١٥١ - إشارة في إثبات القوى المدركة و أحوالها
لكن الاخص بها هو التجويف الاوسط و اعلم ان هذه الكلمات غنية عن الشرح الا قوله فى الحس المشترك ان آلته الروح المصبوب فى مبادى عصب الحس لا سيما فى مقدم الدماغ فان فيه بحثا و ذلك لان الحامل لقوة الشم هو نفس الدماغ و الحامل للروح الباصرة هو الزوج الثالث و منشأ الروح الثالث هو الجد المشترك بين مقدم الدماغ و مؤخره و منفذ هذه السبعة متقدم و فيه من الفك الاعلى الى اللسان و الحامل للزوج السابع فهو قسم من الزوج الخامس و أما حس اللمس فهو يحصل فى بعض الاعضاء العليا بالاعصاب الدماغية و فى سائر الاعضاء بالاعصاب الدماغية و هذه جملة فصلها الشيخ فى القانون و الشفاء و ذكرها سائر الاطباء و اذا كان كذلك فنقول المشهور ان الروح الحامل للحس المشترك موضعه مقدم الدماغ و فيه بحث لانه لو كان كذلك لكان تأدى المبصرات اليه سهلا لما بين ذلك الروحين من المجاورة فاما تأدى المطعوم و الاصوات و الكيفيات الملموسة من الحواس الثلاثة اليه يكون مشكلا لان منشأ العصب الحامل للروح الذائق كما بينا الحد المشترك بين مقدم الدماغ و مؤخره و انه نافذ فى ثقبة الحنك الى اللسان فتأدية هذا العصب هذه المذوقات الى القوة المسماة بالحس المشترك اما أن تكون الكيفية المذوقة يسير من اللسان فى منشأ العصبة الحاملة له ثم ينفصل بين تلك العصبة و ينعطف الى مقدم الدماغ و يتصل بالروح الحامل للحس المشترك أو يكون بالعكس من ذلك و هو أن ينتقل الروح الحامل للحس المشترك الى منشأ العصبة الثالثة ثم يدخل فيه و يسرى الى اللسان و يأخذ الطعوم التي أدركتها الذائقة أو لا يتصل و لا واحد من الروحين بالآخر و مع ذلك فان القوة الذائقة تؤدى الطعم الى الحس المشترك أولا لان الروح لذائقة لو بقى حافظا للطعم الى أن يتصل بالحس المشترك فقد بقى فيه ادراكه ذلك الطعم الى وقت اتصاله بالحس المشترك فيجب أن يجد الانسان ذوق المطعوم من ذلك المنفذ و فى وسط دماغه و فى مقدم دماغه مثل ما يجده فى اللسان و هكذا القول لو لم يذهب الروح الذائق اليه بل ذهب الروح الحامل للحس المشترك الى ذلك الموضع واحد الطعم فان الادراك الذوقى يجب أن يكون حاصلا فى تلك المواضع فعلى التقديرين يكون الذوق حاصلا فى أكثر الدماغ و يلزم أن لا يتغير حال الارواح عند خروجها عن أوعيتها و انفصالها عن أعضائها الحاملة لها و الأول مكابرة و الثاني خروج عن قولهم و اما أن يتصل واحد من الروحين بالآخر استحال تأدى الطعوم الى الحس المشترك لان عندهم القوى الجسمانية انما تدرك بواسطة آلاتها بالمدركات و هذا الاشكال فى تادية القوة السامعة للاصوات الى الحس المشترك و تأدية القوة اللامسه للكيفيات الملموسة الى الحس المشترك اظهر و اوقع فهذا اذا جعلوا الروح الحاملة لقوة الحس المشترك فى موضع واحد فاما اذا جعلوه فى مواضع مختلفة و هى مبادى عصب الحس فالمحال أيضا يعود فان كل عصبة معينة لحس واحد فيستحيل ان يحصل فيه غير ذلك الحس بالبيان الذي سبق فثبت أنه يمتنع أن تكون الروح الحاملة للحس المشترك موجودة فى مقدم الدماغ و أن تكون موجودة فى مبادى أعصاب الحواس أيضا و هذا اقناعى قوى فى فساد القول بالحس المشترك و أما قوله و يخدمها قوة رابعة لها أن يركب و يفصل ما يليها من الصور المأخوذة عن الحس و المعانى المدركة بالوهم و يركب أيضا الصور بالمعانى و يفصلها عنها و تسمى عند استعمال العقل مفكرة و عند استعمال الوهم متخيلة و سلطانها فى الجزء الأول من التجويف الاوسط و كانها قوة ما للعقل و يتوسط الوهم العقل فاعلم انه لما تكلم فى الحس المشترك و الخيال و تكلم بعدهما فى الوهم و كانت القوة المتخيلة خادمة للوهم لا جرم عقب الكلام فى القوة الوهمية بالكلام فى القوة المتخيلة و هى قوة من شأنها أن تركب المعانى الوهمية و الصور الخيالية تارة و تركب الصور بالمعانى أخرى ثم ان الآمر لهذه القوة بهذا التركيب و التفصيل ان كان هو العقل سميت هذه القوة مفكرة و ان كان الآمر هو الوهم سميت هذه القوة متخيلة و موضع هذه القوة النصف الأول من البطن الاوسط و كانها قوة ما للوهم و يتوسطها للعقل ثم هاهنا بحثان الأول بيان ان هذه القوة مغايرة لسائر القوى و الحجة فيه ان هذه القوة متصرفة و سائر القوى مدركة و القوة الواحدة لا يصدر عنها أبدان و قد مضى الجواب عن هذا و مما يزيد فساد ذلك وضوحا وجوه الأول ان هذه القوة المتصرفة اما
أن يكون لها شعور بما يتصرف فيه أو لا يكون فان كان كان ذلك اعترافا بان القوة الواحدة تكون مدركة و متصرفة فبطل قولهم ان القوة الواحدة لا تكون مبدأ للادراك و التصرف و ان كان الثاني كان ذلك قولا بان المتصرف فى أشياء بالتركيب و التحليل لا يكون متصورا لحقيقة شيء منها و ذلك يبطل بما اعترفوا به بان القاضى على الشيئين لا بد و ان يحضره المقضى عليهما الثاني ان الوهم قوة مدركة و كونها مستخدمة لهذه القوى تصرف منها فى هذه القوى فيكون الشيء الواحد مدركا و متصرفا و كذلك النفس الناطقة مدركة للمعقولات و متصرفة بالبدن الثالث انهم قالوا القوة النفسانية منها مدركة و منها محركة و جعل المدركة على قسمين مدركة من ظاهر و هى الحواس الظاهرة و مدركة من