شرح الإشارات و التنبيهات - الرازي، فخر الدين - الصفحة ١٤٩ - إشارة في إثبات القوى المدركة و أحوالها
هذا التقدير يجوز أن تكون تلك الصورة حالة فى الحس المشترك أبدا حاضرة فيه دائما الا انه متى حصلت الحالة المسماة بالشعور فحينئذ يحصل الشعور و الا بقيت مغفولا عنها ثم لئن وقعت المساعدة على انها حين ما تكون مغفولا عنها لا تكون موجودة فى الحس المشترك فلم لا يجوز أن تكون موجودة أيضا فى الخزانة قوله لو كان كذلك لما عاد الا بتجشم كسب جديد فنقول لا نسلم و بيانه من ثلاثة أوجه الأول انه ليس للنفس الناطقة خزانة تبقى الصورة العقلية المعقول عنها مخزونة فيها بل يقولون ان النفس الناطقة اذا طلبت تلك العلوم فاضت عليها تلك العلوم من واهب الصور و اذا لم يطلب تحصيلها انمحت عنها من غير أن تبقى مخزونة فى خزانة أصلا فاذا جاز ذلك فلم لا يجوز مثله فى الحس المشترك الثاني ان الحس المشترك اذا زالت الصور عنه و بقيت مخزونة فى الخيال فانه يكون متمكنا من استفادة تلك الصورة من تلك الخزانة فاذا جاز أن يكون للحس المشترك ملكة الاتصال بتلك الخزانة حتى تستفيد من تلك الخزانة تلك الصورة من غير تجشم كسب جديد فلم لا يجوز أن يثبت له ملكة الاستفادة لا من الخزانة بل من العقل الفعال حتى لا يحتاج الى اثبات هذه الحركة الثالث ان حامل القوة الخيالية جسم فى معرض التغير فينتقض تارة و تزداد أخرى و متى وقع التغير فى محل القوة فلا بد من زوال تلك القوة نفسها فضلا من الصور الحاصلة بسببها مع انه لا حاجة الى تجشم كسب جديد فبطل ما ذكروه و أما قوله و بهاتين القوتين يمكنك أن تحكم ان هذا اللون غير هذا الطعم و ان لصاحب هذا اللون هذا الطعم فان القاضى بهذين الامرين يحتاج الى أن يحضره المقضى عليهما فهذه قوى لو علم ان هاهنا دليل آخر على اثبات الحس المشترك فى الخيال و تحريره انه يمكننا أن نحكم بان لصاحب هذا اللون هذا الطعم و اذا سمعنا صوت انسان عرفناه بعينه و ما ذلك الا لعلمنا بان صاحب هذا الصوت هو صاحب هذا الشكل ثم من الظاهر ان من حكم بشيء على شيء وجب أن يكون عالما بكل واحد منهما اذ التصديق مقدمة لا محالة تصور الموضوع و المحمول فاذن فينا قوة واحدة تدرك جملة هذه الأشياء المحسوسة بالحواس الظاهرة و ذلك الشيء ليس هو الحواس الظاهرة فان كل واحد منها لا تحس الا بنوع واحد من المحسوسات و لا النفس الناطقة لانها لا تدرك الجزئيات فاذا لا بد من قوة جسمانية مدركة بجميع مدركات الحواس الظاهرة و هو الحس المشترك و خزانتها الخيال و لقائل أن يقول انه كما يمكننا أن نحكم بان لصاحب هذا اللون هذا الطعم يمكننا أن نحكم على زيد بانه انسان و أنه ليس بفرس و اذا حكمنا بذلك فالمحكوم عليه هو زيد و هو شخص معين محسوس و المحكوم به هو الانسان و هو ماهية كلية و ليس لاحد أن ينازع فى صحة حمل الكلى على الجزئى اما أولا فلانه لو جاز الامتناع من ذلك لجاز الامتناع من صحة الحكم بان هذا الملون هو هذا المشكل و أما ثانيا فلانهم قد اعترفوا بذلك فى المنطق حيث بينوا ان أقسام الحمل أربعة حمل الجزئى على الجزئى و الكلى على الكلى و الجزئى على الكلى و الكلى على الجزئى و لم ينقل عن أحد منهم الامتناع من هذا التقسيم و أما ثالثا فلانا اذا رجعنا الى أنفسنا علمنا صحة ذلك بالضرورة فلم يكن يخالفه من يخالف فيه غيره و اذا كان كذلك فنقول الحاكم بشيء على شيء اما أن يجب أن يحضره المقضى عليه أولا يجب فان لم يجب فقد سقطت حجتكم و ان وجب فالحاكم على زيد بانه الانسان لا بد و أن يكون مدركا لذاته بعينه و للانسان أيضا لكن المدرك للانسان الذي هو الكلى هو النفس الناطقة عندكم فيجب أن يكون المدرك لزيد هو النفس الناطقة فاذا النفس الناطقة يمكن أن تكون مدركة للجزئيات و اذا كان كذلك لم يمكنكم أن تقولوا ان الحاكم بان هذا الملون هو هذا المطعوم ليس النفس فظهر فهذا سقوط هذه الحجة على التقديرين ثم الذي يدل بعد تزييف أدلتهم على فساد القول بالحس المشترك انى أعلم بالضرورة انى اذا ذقت طعاما فليس لذلك الطعم شيء فى الدماغ مع انهم زعموا ان الحس المشترك مسكنه مقدم الدماغ و لو جاز أن يقال الذائق للمطعوم هو الدماغ أو ما فيه مع انى أجد الحال بخلاف ذلك لجاز أن يقال المدرك للطعوم هو العصب أو الكعب أو الاخص و ان كنت أجد الحال بخلافه و أيضا فالروح
الباصرة اما أن يكون فيها قوة مبصرة أو لا يكون فان كانت فاذا أدركت القوة الباصرة مبصرا و أدركه الحس المشترك فعينا شيئان مبصران ذلك المبصر الواحد فلا يكون ابصارنا له ابصارا واحدا بل ابصارين و نحن نجد الحال بخلاف ذلك و ان لم يكن فى الروح الباصرة قوة باصرة فهذا على التحقيق يكون نزاعا لفظيا لان حاصله يرجع الى أن الذي اسميه انا بالقوة الباصرة سميته أنت بالحس المشترك و كيف ما كان فتخرج منه انه ليس فى الانسان شيء يبصر المرئيات الا شيء واحد و أما الخيال فالذى يدل على فساد القول ما فى الانسان اذا طالع الكتب و طاف فى العالم و رأى البلدان و الاشخاص فلو انطبعت صورها فى الروح الدماغى لاختلطت تلك الصورة فان الروح الصغير اذا نقش فيه النقوش