شرح الإشارات و التنبيهات - الرازي، فخر الدين - الصفحة ١٢٢ - (تنبيه في وجود النفس الانسانية
اجزاؤه و لا يتلامس أعضاؤه بل تكون أعضاؤه منفرجة و معلقة لحظة ما فى هواء طلق فان فى هذه الحالة لا يحصل له الشعور بغيره و انما فرضنا كونه بحيث لا تتصل اجزاؤه لان اجزاء الحيوان اذا كان بعضها متصلا بالبعض حصل لكل واحد منها شعور بما اتصل به فيكون له فى تلك احالة شعور بغيره و لهذا السبب بعينه فرضنا ان لا يتلامس أعضاؤه ثم متى كانت أعضاؤه غير متصلة أو أعضاؤه غير متلامسة كانت الاجزاء و الاعضاء منفرجة لا محالة و انما فرضنا كونها معلقة فى هواء مطلق فلانها لو كانت موضوعة على جسم صلب لا يغفل عنه فحصل له به شعور و أما لهواء الطلق فلان الهواء لو كان حارا أو باردا أو متحركا أو غير ذلك لحصل لتلك الاعضاء المعلقة فيها شعور بتلك الكيفيات فيحصل لها بغيرها شعور فهذا هو الفائدة فى المراتب التي ذكرها الشيخ و انه لم قدم بعضها على بعض ثم ان الشيخ بعد ان اطنب فى ذكر هذه المراتب ادعى أن الانسان فى جملة هذه الاحوال لا بد و ان يكون مدركا لانية ذاته أى لكونها موجودة فاذا رجع حاصل كلامه فى هذا الفصل ان الانسان لا يغفل عن اداراكه لذاته فى شيء من الاحوال أصلا ثم انه لم يبين أن هذه القضية أوليه أو محتاجة الى البرهان و بتقدير أن تكون محتاجة الى البرهان فلم يذكر حجة عليها أصلا و لم يبين أيضا ان الانسان و ان كان لا يغفل عن ادراك ذاته لكنه هل يمكن أن يغفل ذلك أم لا و اذا كان كذلك وجب علينا أن نتكلم فى هذه المباحث فنقول اما أن تلك القضية هل هى أولية أم لا فتشبه أن لا تكون أولية لانا اذا عرضنا على عقلنا هذه القضية و هى انا ندرك انفسنا حالة النوم و السكر و عند تفرق الاعضاء و عرضنا على العقل أيضا ان الكل أعظم من الجزء لم نجد القضية الاولى فى الجلاء و الظهور مثل القضية الثانية بل انا نجد القضية الاولى مشكوكا فيها فاذا لا بد من تصحيحها بالحجة و اعلم أن كل ما دل على انه يمنع ان لا يدرك ذاته فانه يدل على انه يدرك ذاته أبدا لكن ليس كل ما دل على انه يدرك ذاته أبدا فانه يدرك على أنه يمتنع ان لا يدرك ذاته فنقول الدليل على أنه يدرك ذاته أبدا انا لو قدرناه غافلا عن ادراكه لذاته ثم قدرنا وصول مؤلم أو ملذ اليه مثل أن يضرب أو تقرب النار اليه أو يمنع من وصول النسيم الى قلبه فلا يخلو اما أن لا يحصل له به شعور أو يحصل فان لم يحصل به شعور فهو ميت و ليس بحى و ان حصل له به شعور فاما أن يكون شعوره بالمؤلم و الملذ لا من حيث انه ملذ له و مؤذ له أو من حيث انه كذلك فان كان الأول لزم أحد أمرين اما أن لا ينقبض عما يؤذيه أو ينقبض عما يؤذى غيره مثل انقباضه عما يؤذيه لان ما يؤذى غيره يشارك ما يؤذيه فى أصل كونه مؤذيا فشعوره بهذا القدر ان كان يقتضى الانقباض و التألم وجب أن يحصل الانقباض و التألم من شعوره بانه حصل لغيره ما يؤذيه و ان كان لا يقتضى الانقباض فقد بطل هذا القسم و تعين القسم الثاني لكن علمه بانه يؤذيه علم باضافة المؤذى اليه و العلم باضافة أمر الى أمر متأخر عن العلم بكل واحد من المضافين فوجب أن يكون علمه بنفسه حاصلا له قبل العلم بحصول ذلك المؤذى له و ثبت بهذا ان الانسان لا يغفل فى شيء من هذه الاحوال عن ادراكه لذاته و اعلم أن هذه الحجة تقتضى أن يكون حال سائر الحيوانات كذلك أيضا و أما الذي يدل على امتناع أن يغفل الانسان عن ادراكه لذاته هو أن يقال ادراك الشيء عبارة عن حصول ماهية المدرك فى المدرك فعلمى بذاتى اما أن يكون عبارة عن حصول صورة مساوية لذاتى فى ذاتى و هو محال لاستحالة الجمع بين المثلين و لانه ليس أحدهما بالحالية و الآخر بالمحلية أولى من العكس لتساويهما فى الماهية فيلزم أن يكون كل واحد حالا و محلا و هو محال و اما أن يكون عبارة عن مجرد حصول ماهية تلك الذات لتلك الذات لكن حصول شيء عند نفسه يستحيل أن يبدل بالغيبة فاذا ادراك الشيء لذاته يستحيل أن يبدل بالغفلة و هاتان الحجتان غير برهانيتين و الاولى أضعف فهذا هو الكلام فى ان الانسان لا يغفل عن ذاته قط