شرح الإشارات و التنبيهات - الرازي، فخر الدين - الصفحة ١٠٧ - (تنبيه في إثبات الكون و الفساد في العناصر
و قد تحل الاجساد الصلبة الحجرية مياها سيالة يعرف ذلك أصحاب الحيل كما قد تجمد مياء جارية تشرب حجارة صلدة فهذه الأربعة قابلة لاستحالة بعضها الى بعض فلها هيولى مشتركة)
الشرح المقصود من هذا الفصل بيان جواز الكون و الفساد على هذه العناصر الأربعة و الاستدلال بذلك على ان لها هيولى مشتركة و اعلم أن العناصر الأربعة لما كانت أربعة وقع منها اثنا عشر نوعا من الكون و الفساد و هى هذه صيرورة الارض ماء أو هواء أو نارا و صيرورة الماء أرضا أو هواء أو نارا و صيرورة الهواء أرضا أو ماء أو نارا و صيرورة النار أرضا أو ماء أو هواء و ليس لاحد أن يدعى أن ستة منها متكررة لان انقلاب الارض ماء غير انقلاب الماء أرضا و لا يلزم أيضا من صحة أحدهما صحة الآخر الا بالبرهان ثم ان الشيخ اقتصر من هذه الاقسام على ايراد أربعة أولهما انقلاب الهواء ماء و ثانيها انقلاب الهواء نارا و ثالثها انقلاب الارض ماء و رابعها انقلاب الماء أرضا و اعلم أنه متى صحت الاقسام الثلاثة الأول فقد صح جميع الاقسام لانه اذا ثبت انقلاب الارض ماء ثبت أن هيولى الارض مثل هيولى الماء ثم اذا ثبت بعد ذلك انقلاب الماء هواء ثبت أن هيولى الماء مثل هيولى الهواء فهيولى الارض المماثلة لهيولى الماء و هيولى الماء المماثلة لهيولى الهواء وجب أن تكون مماثلة لهيولى الهواء لان مثل المثل مثل ثم اذا ثبت انقلاب الهواء نارا ثبت كون هيولاها مثلا لهيولى الكل بالطريق المذكور فاذا هذه الاقسام الثلاثة كافية فى أن للعناصر الأربعة هيولى مشتركة فاذا ثبت ذلك ثبت سائر الاقسام ضرورة ان ما يصح على الشيء يصح على مثله بقى هاهنا أبحاث ثلاثة أحدها أن الاقسام الثلاثة لما كانت كافية فى اثبات المطلوب فلما ذا أورد الشيخ قسما رابعا فانه بين انقلاب الارض ماء و الماء أرضا مع أن المطلوب حاصل بذكر كل واحد منهما و ثانيها ان هذه الاقسام و ان كانت و فيه بالمطلوب الا انه لو بين انقلاب النار هواء و الماء هواء و الارض نارا لحصل المطلوب فلما ذا اخبار الشيخ فى اثبات هذا المطلوب الاقسام التي ذكرها دون غيرها و ثالثها انه لما ذا بدأ ببيان انقلاب الهواء ماء وثنى بانقلاب الهواء نارا و ثلث بانقلاب الارض ماء و ربع بانقلاب الماء أرضا فما فائدة هذا الترتيب فالجواب عن الاوّل ان الاقسام الثلاثة الأول أوردها الشيخ بالقصد الاوّل و أما القسم الرابع فانه ما أورده بالقصد الاوّل أ لا ترى انه جعل كل واحد من الاقسام الثلاثة أصلا مستقلا بنفسه ففى الاوّل قد يبرد الاناء بالجمد الى آخره و فى الثاني قال و قد تخلق النار بالنفاخات و فى الثالث قال قد تحل الاجساد الصلبة و أما فى الرابع فلم يقل قد تجمد مياه جارية بل لما ذكر انحلال الاجساد الصلبة عطف عليه القسم الرابع فقال كما قد تجمد مياه جارية و هذا منه تنبيه على انه انما ذكر الرابع لما بينه و بين الثالث من التعلق و ان كان لا حاجة اليه فى نفس المقصود و أما الثاني فجعله ان الاقسام الاخر و ان كانت مفيدة للمطلوب الا ان فيها ما يتعسر اثباته مثل انقلاب الهواء أرضا و انقلاب الارض نارا و منها ما يكون اثباته ظاهرا جليا مثل مقابلات الاقسام التي ذكرها الشيخ فان من المشهور ان الماء ينقلب هواء بالسخن لكن ليس هو بمشهور ان الهواء ينقلب ماء و كذلك مشهور ان النار عند الانطفاء تنقلب هواء و ليس بمشهور ان الهواء ينقلب نارا فلو ان الشيخ أثبت المطلوب بهذه الاقسام لكان تمام الايضاح انما يحصل بايراد أمثلة من الاقسام التي أوردها و يصححها بالدلالة فيكون ذلك تطويلا من غير فائدة و لما صحح المطلوب بهذه الامثلة استغنى عن هذا التطويل و أما الثالث فنقول انه انما بدأ ببيان صحة انقلاب الهواء ماء لان الطريق الجيد من التعليم أن يبدأ بالاسهل و يترقى الى الاصعب و السبب فى زوال الصورة الهوائية الى الصورة المائية هو زوال الحرارة و السبب فى زوال الصورة الهوائية الى الصورة النارية هو زوال الرطوبة و لما كان زوال الحرارة عن الهواء أسهل و أقرب الى الافهام من زوال الرطوبة عنه لا جرم كان تصور انقلابه ماء أسهل من تصور انقلابه نارا فلهذا قدمه عليه و أما انقلاب الارض ماء فهو أصعبها تصورا فلذا أخره ثم شبهه بانقلاب الماء أرضا لان ذلك قد شاهده بعض الناس فشبهه به ازالة للاستبعاد و يجب أن يعلم ان الكلام فى أمثال هذه الامور اقناعى ضعيف جدا و لو لا انى التزمت استخراج الفوائد من ألفاظ هذا الكتاب تنبيها للمقلدة على وقوفى من هذا الكتاب على ما لم يقف عليه أحد ممن سبقنى و انى ما أقدمت على الاعتراض جزافا
و الا لما كنت أجوز تضييع زمانى فى مثل هذه الكلمات و لنرجع الى المقصود فنقول هذا الفصل مشتمل على أربعة مباحث البحث الاوّل فى انقلاب الهواء ماء و اعتمد الشيخ فى اثبات ذلك هاهنا على وجهين و أنا أقرر كل واحد منهما على أفضل الوجوه الاوّل ان الاناء الفضى و النحاسى أو ما أشبههما اذا وضع فيه الجمد حتى برد جدا فانه يجتمع على أطرافه قطرات الماء فتلك القطرات لا تخلوا ما