بحار الأنوار - ط دارالاحیاء التراث - العلامة المجلسي - الصفحة ٨٦
وفي قوله : « قد نعلم إنه ليحزنك الذي يقولون » أي ما يقولون إنك شاعر أو مجنون وأشباه ذلك « فإنهم لا يكذبونك » قرأ نافع والكسائي والاعشى عن أبى بكر : « لا يكذبونك » بالتخفيف ، وهو قراءة علي ٧ والمروي عن الصادق ٧ ، والباقون بفتح الكاف والتشديد. وفيه وجوه :
أحدها : لا يكذبونك بقلوبهم اعتقادا ، وإن كانوا يظهرون بأفواههم التكذيب عنادا ، وهو قول الاكثر ، ويشهد له ما رواه سلام بن مسكين عن أبي يزيد المدني أن رسول الله ٩ لقى أبا جهل فصافحه أبوجهل ، فقيل له في ذلك فقال : والله إني لاعلم أنه صادق ، ولكنا متى كنا تبعا لعبد مناف؟ فأنزل الله تعالى هذه الآية. وقال السدي : التقى أخنس بن شريق وأبوجهل بن هشام فقال له : يا أبا الحكم أخبرني عن محمد صلى الله عليه وآله أصادق هو أم كاذب؟ فإنه ليس هنا أحد غيري وغيرك يسمع كلامنا ، فقال أبوجهل : ويحك والله إن محمدا لصادق وما كذب قط ، ولكن إذا ذهب بنو قصي باللواء والحجابة والسقاية والندوة والنبوة فماذا يكون لسائر قريش؟. [١]
وثانيها : أن المعنى : لا يكذبونك بحجة ، ولا يتمكنون من إبطال ما جئت به ببرهان ويدل عليه ما روي عن علي ٧ أنه كان يقرء « لا يكذبونك » ويقول : إن المراد بها أنهم لا يأتون بحق هو أحق من حقك.
وثالثها : أن المراد : لا يصادفونك كاذبا كما تقول العرب : قاتلناكم فما أجبناكم أي ما أصبناكم جبناء ، ولا يختص هذا الوجه بالقراءة بالتخفيف ، لان أفعلت وفعلت يجوزان في هذا الموضع ، وأفعلت هو الاصل فيه.
ورابعها : أن المراد : لا ينسبونك إلى الكذب فيما أتيت به ، لانك كنت عندهم أمينا صدوقا ، وإنما يدفعون ما أتيت به ويقصدون التكذيب بآيات الله ، وروي أن أبا جهل قال للنبي ٩ : لا نتهمك ولا نكذبك ، ولكننا نتهم الذي جئت به و نكذبه.
[١]وبهذا البيان السخيف صرفوا الخلافة عن أمير المؤمنين علي ٧ إلى غيره ، حيث قالوا : لا تجتمع النبوة والخلافة في بيت واحد!.