الإمام الرضا عليه السلام سيرة وتاريخ - الذهبي، عباس - الصفحة ١١٣ - ٥ ـ في الواقع التاريخي للخلافة
صدقوا؟ فإن زعم أنهم كذبوا ، فلا أمانة لكذاب ، وإن زعم أنهم صدقوا ، فقد قال أولهم : ولّيتكم ولست بخيركم ، وقال تاليه : كانت بيعته فلتة ، فمن عاد لمثلها فاقتلوه ، فواللّه مارضي لمن فعل مثل فعلهم إلاّ بالقتل ، فمن لم يكن بخير الناس ، والخيرية لا تقع إلاّ بنعوت منها : العلم ، ومنها الجهاد ، ومنها سائر الفضائل وليست فيه ، ومن كانت بيعته فلتة يجب القتل على من فعل مثلها ، كيف يقبل عهده إلى غيره وهذه صورته؟! ثمّ يقول على المنبر : إنّ لي شيطانا يعتريني ، فإذا مال بي فقوموني ، وإذا أخطأت فارشدوني ، فليسوا أئمة بقولهم ، إن صدقوا ، أو كذبوا ، فما عند يحيى في هذا جواب ».
فعجب المأمون من كلامه ، وقال : يا أبا الحسن ما في الأرض من يحسن هذا سواك[١].
والملفت للنظر أن إمامنا عليهالسلام في هذا الحوار قد اتبع منهجا فريدا ، فلم يستعمل في مناظرته الآيات القرآنية أو الأحاديث النبوية الكثيرة التي يمكن الاستدلال بها على إمامة أهل البيت عليهمالسلام ، فلعلّه يعلم بأن الغوص في هذا قد يؤدي إلى تجريدات فكرية لا يلتزم القوم بمدلولاتها ، لذلك درس مسألة الإمامة في إطارها التاريخي محاولاً إلقاء الضوء على الحقائق كما هي من خلال أقوال أقطاب السقيفة بدون تأويل أو تفسير ، فكثيرا ما يتأثر الناس بالتفسير الذي يأتيهم لحدث أكثر ما يتأثرون بالحدث نفسه ، وهنا وضعهم الإمام عليهالسلام وجها لوجه أمام الحدث ، عارضا بأمانة تصريحات القوم التي أدلوا بها في قلب الحدث ودلالاتها ؛ وحينئذ يكتشف كل منصف الحقيقة بنفسه.
[١] عيون أخبار الرضا عليهالسلام ٢ : ٢٥٥ ، ح ١ ، باب (٥٧).