الإمام الرضا عليه السلام سيرة وتاريخ - الذهبي، عباس - الصفحة ١٣٥ - ٤ـ التواضع
وموضوعية مفادها أن يعرف المرء أولاً وقبل كل شيء قدر نفسه ومنزلتها ، ولا يرتفع بها فوق مقامها ، كي لا يلام على ذلك ، وقد يكون عِرضةً للسخرية والاستهزاء. وأن لا يحبّ لنفسه ما لا يحبّ لغيره ، بل عليه أن يعامل الناس كما يحب أن يعاملوه ، إضافة إلى ذلك يشير إمامنا إلى بُعد أبعد للتواضع فيه جنبة اجتماعية ، ويتمثّل بدرأ السيئة بالحسنة ، وكظم الغيظ والعفو عن الناس.
هذا على صعيد الفكر أمّا على صعيد العمل فنجده في سلوكه عليهالسلام يتواضع إلى الدرجة القصوى في تعامله مع الناس ، ومن الأمثلة الحية على مقدار تواضعه ، أنه دخل الحمام ، فقال له بعض الناس : دلّكني يا رجل ، فجعل يدلّكه ، فعرّفوه ، فجعل الرجل يستعذر منه وهو عليهالسلام يُطيب قلبه ويدلكه[١].
فهو يرى أن الشرف والكرامة تتحقّق من خلال القيم والمقاييس المعنوية المتمثلة بالتقوى والطاعة للّه تعالى وليس من خلال القيم والمقاييس المادية المتمثلة بالحسب والنسب ، أو المال والقدرة وما إلى ذلك.
وكان عندما يكيلون له أو لآبائه عليهمالسلام المديح والثناء يتواضع جدا ويكشف لهم عن المفهوم القرآني للشرف والخيرية المتمثّل بالتقوى :
عن محمد بن موسى بن نصر الرازي ، قال[٢]: سمعت أبي ، يقول : قال رجل للرضا عليهالسلام : واللّه ما على وجه الأرض أشرف منك أبا ، فقال عليهالسلام : « التقوى شرفتهم ، وطاعة اللّه أحظتهم » ، فقال له آخر : أنت واللّه خير
[١] المناقب ٤ : ٣٩.
[٢] عيون أخبار الرضا عليهالسلام ٢ : ٢٦١ ، ح ١٠ ، باب (٥٨).