الأمان من أخطار الأسفار و الأزمان - السيد بن طاووس - الصفحة ١٩٥
الباب الثالث عشر عما ذا يتولد العرق المديني و بما ذا يتحرز من تولده
من أجل أن العرق المديني يتولد كثيرا في ذلك الصقع حتى صار يعرف باسمه أعني بالمدينة رأيت أن أصف التدبير الذي يتحرز به منه. فأقول إن تولد هذا العرق في اللحم كتولد الحيات و حب القرع و أصناف الدود في البطن و كتولد سائر الأشياء التي تدب على الأرض منها. و العلة التي تشمل هذه الأشياء في تولدها العفونة المعتدلة و كما أن كل ما يعفن من جميع الأجسام يولد حيوانا ما كذلك العفن في اللحم يكون منه تولد هذا العرق و كل تعفن فإنما يكون باجتماع حرارة و رطوبة بأقساط معلومة. و تلك الأقساط ليس يدركها البشر و ليس يعلم مقاديرها إلا الباري سبحانه و جل ثناؤه على أنها ليست محصورة حصرا لا يلزم فيها زيادة و لا نقصان لكنها مختلفة و اختلافها على قدر اختلاف الحيوان المتولد منها فإن الأقساط من الحرارة و الرطوبة التي تتولد عنها الحيات في البطن خلاف الأقساط التي تتولد عنها حبات القرع و أن الأقساط التي يتولد عنها القمل و البراغيث و البق و الجرجس و كذلك الأقساط التي يتولد عنها من الأرض الضب و اليربوع و الجرذان و خلاف الأقساط التي تتولد عنها الحيات و العقارب و بنات وردان. و على هذا القياس تختلف هذه الحيوانات في البلدان على قدر اختلاف ترب البلدان فإن كل بلد قد تخصه تربة يتولد فيها من هذه الحيوانات خلاف الحيوانات التي تتولد في التربة الأخرى فالأرض الجصية يتولد فيها من الحيوانات خلاف ما يتولد في الأرض الرمادية و الأرض الحمراء التربة يتولد فيها حيوان غير الحيوانات التي تتولد في الأرض السوداء إذ كان التعفن في كل واحد من الترب يكون في مقادير مختلفة مخالفة للمقادير التي تكون في التربة التي يكون منها الحيوان من غير تلك التربة. فلهذه العلة صار يتولد في كل بلد جنس من الحيوان مخالف للجنس الذي يتولد في البلد الآخر حتى صار بعض البلدان لا يتولد فيها العقرب البتة و بعضها لا يتولد فيها