العبادات بين المذاهب والحكام - الورداني، صالح - الصفحة ٩
ولقد أدى غياب جوهر الإسلام وتشويه صورته والتعتيم على حقيقته تحت ضغط السياسة والروايات إلى فقدان العبادة لمضمونها
وتحولها إلى شعائر تقليدية لا اثر لها فى واقع الناس ..
يقول محمد باقر الصدر : لم تختص العبادة بأشكال معينة من الشعائر ولم تقتصر على الأعمال التى تجسد مظاهر التعظيم لله سبحانه وتعالى فقط ، كالركوع والسجود والذكر والدعـاء . بـل امتدت إلى كل قطاعات النشاط الإنسانى، فالجهاد عبادة وهو نشاط اجتماعى مالى أيضاً، والصيام عبادة وهو نظام غذائى، والوضوء والغسل عبادتان وهما لونان من تنظيف الجسد .
وهذا الشمول فى العبادة يعبر عن اتجاه عام فى التربية الإسلامية يستهدف أن يربط الإنسان فى كل أعماله ونشاطاته بالله تعالى ، ويحول كل ما يقوم به من جهد صالح إلى عبادة مهما كان حقله ونوعه .
ومن أجل إيجاد الأساس الثابت لهذا الاتجاه وزعت العبادات الثابتة على الحقول المختلفة للنشاط الإنسانى تمهيداً إلى تمرين الإنسان على أن يسبغ روح العبادة على كل نشاطاته الصالحة وروح المسجد على مكان عمله فى المزرعة أو المصنع أو المتجر أو المكتب ..
من هنا جاءت الشريعة ووزعت العبادات على مختلف حقول الحياة وحثت على الممارسة فى كل تصرف صالح وأفهمت الإنسان بأن الفارق بين المسجد الذى هو بيت الله وبين بيت الإنسان ليس بنوعية البناء أو الشعار، وإنما استحق المسجد أن يكون بيت الله لأنه الساحة التى يمارس عليها الإنسان عملاً يتجاوز فيه ذاته ويقصد به هدفاً أكبر من منطق المنافع الماديـة المحدودة وإن هذه الساحة ينبغى أن تمتد وتشمل كل مسرح الحياة .