تاريخ الخميس في أحوال أنفس النفيس - الشيخ حسين ديار البكري - الصفحة ٢٨٢ - نزول الوحى و كيفيته
(صلى اللّه عليه و سلم) فجاءنى و أنا نائم بنمط من ديباج فيه كتاب فقال اقرأ قال فقلت ما اقرأ قال فغتنى به بالتاء مكان الطاء فى الرواية السابقة حتى ظننت انه الموت ثم أرسلنى فقال اقرأ و هكذا الى ثلاث مرّات ثم قال له اقرأ باسم ربك الذي خلق الى قوله ما لم يعلم قال قرأتها ثم انتهى فانصرف عنى و هببت من نومى فكأنما كتب فى قلبى كتابا الى آخر الحديث* و فى المنتقى فقال يا خديجة ما لي فأخبرها الخبر و قال خشيت علىّ فقالت له كلا ابشر فو اللّه لا يخزيك اللّه أبدا انك لتصل الرحم و تصدق الحديث و تحمل الكل و تقرئ الضيف و تعين على نوائب الحق ثم انطلقت به خديجة حتى أتت به ورقة بن نوفل و هو ابن عم خديجة و كان امرأ تنصر فى الجاهلية و كان يكتب الكتاب العربى* و فى رواية العبرانى يكتب بالعربية من الانجيل ما شاء اللّه أن يكتب و كان شيخا كبيرا قد عمى فقالت له خديجة أى ابن عم اسمع من ابن أخيك و قيل انّ خديجة قالت لابي بكر يا عتيق اذهب الى ورقة بن نوفل كذا فى سيرة مغلطاى فقال ورقة يا ابن أخى ما ترى فأخبره رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) فقال ورقة هذا الناموس الاكبر الذي أنزل اللّه تعالى على موسى يا ليتنى فيها جذعا أكون حيا حين يخرجك قومك فقال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) أو مخرجىّ هم قال نعم لم يأت رجل قط بما جئت به إلا عودي و ان يدركنى يومك أنصرك نصرا مؤزرا فلم ينشب ورقة ان توفى و فتر الوحى فترة حتى حزن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) حزنا غدا منه مرارا كى يتردّى من رءوس شواهق الجبال فكلما أوفى بذروة جبل لكى يلقى نفسه منه تبدى له جبريل فقال يا محمد انك رسول اللّه فيسكن له جاشه و تقرّ عينه فيرجع فاذا طالت عليه فترة الوحى غد المثل ذلك فاذا أوفى بذروة جبل تبدى له جبريل فقال له مثل ذلك* و فى المواهب اللدنية فترة الوحى عبارة عن تأخره مدّة من الزمان و ذلك ليذهب عنه ما كان يجده (عليه السلام) من الروع و ليحصل له الشوق الى العود و كانت مدّة فترة الوحى ثلاث سنين كما جزم به ابن اسحاق* و فى تاريخ الامام أحمد و يعقوب بن سفيان عن الشعبى أنزل عليه النبوّة و هو ابن أربعين سنة فقرن بنبوّته اسرافيل ثلاث سنين قبل جبريل فكان يعلمه الكلمة و الشيء و لم ينزل عليه القرآن على لسانه فلما مضت ثلاث سنين قرن بنبوّته جبريل فنزل عليه القرآن على لسانه عشرين سنة كذا رواه ابن سعد و البيهقي فقد تبين انّ نبوّته (عليه السلام) كانت متقدّمة على رسالته كما قال أبو عمرو و غيره كما حكاه أبو أمامة بن النقاش فكان فى نزول سورة اقرأ نبوّته و فى نزول سورة المدّثر رسالته بالنذارة و البشارة و التشريع و هذا قطعا متأخر عن الاوّل لانه لما كانت سورة اقرأ متضمنة لذكر أطوار الآدمى من الخلق و التعليم و الافهام ناسب أن يكون أوّل سورة أنزلت و هذا هو الترتيب الطبيعى* و فى المواهب اللدنية أيضا قد ذكر ابن عادل فى تفسيره انّ جبريل (عليه السلام) نزل على النبيّ (صلى اللّه عليه و سلم) أربعة و عشرين ألف مرّة و نزل على آدم اثنتى عشرة مرّة و على ادريس أربع مرّات و على نوح خمسين مرّة و على ابراهيم اثنتين و أربعين مرّة و على موسى أربعمائة و على عيسى عشر مرّات و زاد غيره ثلاث مرّات فى صغره و سبع مرّات فى كبره* و قال (عليه السلام) فى حديث فترة الوحى بينا أنا أمشى اذ سمعت صوتا من السماء فرفعت بصرى فاذا الملك الذي جاءنى بحراء جالس على كرسى بين السماء و الارض فرعبت منه فرجعت فقلت زمّلوني زمّلوني فأنزل اللّه تعالى يأيها المدّثر قم فأنذر و ربك فكبر و ثيابك فطهر و الرجز فاهجر فحمى الوحى و تتابع* و جاء فى التفاسير ان أبا ميسرة قال كان النبيّ (صلى اللّه عليه و سلم) اذا برز سمع مناديا ينادى يا محمد فيمرّ هاربا فقال ورقة بن نوفل اذا سمعت فاثبت حتى تدرى ما يقال لك فبرز فنودى فقال لبيك فقيل له قل أشهد أن لا إله الا اللّه و أنّ محمدا رسول اللّه فقالها فقيل له قل الحمد للّه رب العالمين و قرأ سورة الحمد الى آخرها و المروى فى الصحيح الثابت