تاريخ الخميس في أحوال أنفس النفيس - الشيخ حسين ديار البكري - الصفحة ٢٤٢ - (ذكر سليمان و بلقيس ملكة اليمن و سبأ و نبذ من أخبارهما)
فتسير به مسيرة شهر بالغداة و مسيرة شهر بالعشىّ قال اللّه تعالى غدوّها شهر و رواحها شهر أى جريها بالغداة مسيرة شهر و جريها بالعشىّ كذلك فكان يغدو من دمشق فيقيل باصطخر فارس و بينهما مسيرة شهر للراكب المسرع و يروح من اصطخر فيبيت بكابل و بينهما مسيرة شهر للراكب المسرع و قيل كان يتغدّى بالرى و يتعشى بسمرقند كذا فى المدارك و يروى أنه كان يأمر الريح العاصف تحمله و يأمر الرخاء تسيره فأوحى اللّه إليه و هو يسير بين السماء و الارض انى قد زدت فى ملكك لا يتكلم أحد بشيء الا ألقته الريح فى سمعك و كانت الريح تحمله من مسافة ثلاثة اميال فيحكى أنه مرّ بحرّاث فقال لقد اوتى آل داود ملكا عظيما فألقته الريح فى اذنه فنزل و مشى الى الحراث و قال انما مشيت إليك لئلا تتمنى ما لا تقدر عليه ثم قال لتسبيحة واحدة يقبلها اللّه خير مما أوتى آل داود* و فى معالم التنزيل روى عن وهب بن منبه و عن كعب الاحبار قالا كان سليمان اذا ركب حمل أهله و خدمه و حشمه و قد اتخذ مطابخ و مخابز تحمل فيها تنانير الحديد و قدور عظام يسع كل قدر عشر جزائر و قد اتخذ ميادين الدواب أمامه فيطبخ الطباخون و يخبز الخبازون و تجرى الدواب بين يديه بين السماء و الارض و الريح تهوى بهم* و فى المدارك و كانت الريح تحمل سليمان و جنوده على بساط بين السماء و الارض فسار من اصطخر الى اليمن فسلك مدينة الرسول (صلى اللّه عليه و سلم) فقال هذه دار هجرة نبى يخرج فى آخر الزمان طوبى لمن آمن به و طوبى لمن اتبعه ثم مضى سليمان حتى مرّ بوادى السرير و هو واد من الطائف فأتى على وادى النمل هكذا قال كعب قال انه واد بالطائف* و قال قتادة و مقاتل هو أرض بالشام و قيل واد كان تسكنه الجنّ و أولئك النمل مراكبهم* و قال أيوب الحموى كان نمل ذلك الوادى كأمثال الذئاب و قيل كالبخاتى و المشهور أنه النمل الصغير* و قال الشعبى كانت تلك النملة ذات جناحين و قيل كانت نملة عرجاء اسمها طاخية قاله الضحاك أو منذرة قاله فى المدارك* و قال مقاتل اسمها خرما و يقال شاهدة عن قتادة أنه دخل الكوفة فالتفت عليه الناس فقال سلوا ما شئتم فسأله أبو حنيفة و هو شاب عن نملة سليمان أ كانت ذكرا أم انثى فأفحم فقال أبو حنيفة كانت انثى فقيل له بم عرفت قال بقوله تعالى قالت نملة و لو كانت ذكرا لقال قال نملة و ذلك ان النملة مثل الحمامة فى وقوعها على الذكر و الانثى فيميز بينهما بعلامة نحو قولهم حمامة ذكر و حمامة انثى أو هو أو هي فقالت النملة يأيها النمل ادخلوا مساكنكم لا يحطمنكم أى لا يكسرنكم سليمان و جنوده و هم لا يشعرون فألقت الريح قولها فى سمع سليمان من ثلاثة أميال فتبسم متعجبا من حذرها و اهتدائها لمصالحها و نصيحتها للنمل روى ان النملة أحست بصوت الجنود و لا تعلم أنهم فى الهواء فأمر سليمان الريح فوقفت لئلا يذعر حتى دخلن مساكنهنّ روى أن سليمان لما أتى إليها قال لها حذرت أيها النملة ظلمى أ ما علمت أنى نبى عادل حيث قلت لا يحطمنكم سليمان و جنوده فقالت أ ما سمعت قولى و هم لا يشعرون مع انى لم أرد حطم النفوس و انما أردت حطم القلوب حيث يتمنين ما أعطيت فيشتغلن بالنظر إليك عن التسبيح فقال لها عظينى قالت هل علمت لم سمى أبوك داود قال لا قالت لانه داوى جرحه فزاد و هل تدرى لم سميت سليمان قال لا قالت لانك سليم الصدر و كنت بسلامة صدرك و آن لك أن تلحق بأبيك داود و هل تدرى لم سخر اللّه لك الريح قال لا قالت أخبرك اللّه ان الدنيا كلها ريح و هل تدرى لم جعل ملكك فى فص الخاتم قال لا قالت أعلمك اللّه ان الدنيا لا تساوى بقطعة حجر ثم قال لها سليمان يا نملة جندى أكثر أم جندك قالت جندى قال سليمان أرينى جندك فنادت جنسا واحدا من جندها فخرجوا سبعين يوما حتى امتلأت البرارى و الجبال و الاودية قال هل بقى من جندك شيء قالت يا سليمان ما خرج بعد جنس واحد و ان لى مثل هذا سبعين جنسا* و فى معالم التنزيل ذكر العلماء ان سليمان لما فرغ