سرّ صناعة الإعراب - أبو الفتح عثمان بن جنّي - الصفحة ٨٤ - باب الهمزة
وذهب سيبويه في قولهم ألاءة [١] وأشاءة [٢] إلى أنهما فعالة ، مما لامه همزة ، فأمّا أباءة [٣] فذهب أبو بكر محمد بن السّريّ [٤] فيما حدّثني به أبو عليّ عنه ، إلى أنها من ذوات الياء من أبيت ، فأصلها عنده أباية ثم عمل فيها ما عمل في عباية وصلاية [٥] وعظاية [٦] ، حتى صرن عباءة وصلاءة ، وعظاءة ، في قول من همز ، ومن لم يهمز أخرجهن على أصولهن ، وهو القياس القويّ ، وإنما حمل أبا بكر على هذا الاعتقاد في أباءة أنها من الياء ، وأن أصلها أباية. المعنى الذي وجده في أباءة ، من أبيت ، وذلك أنّ الأباءة هي الأجمة [٧] ، وقيل القصبة ، والجمع بينها وبين أبيت : أن الأجمة ممتنعة بما ينبت فيها من القصب وغيره ، من السّلوك [٨] والتصرّف ، وخالفت بذلك حكم البراح والبراز [٩] ، النقي من الأرض ، فكأنها أبت ، وامتنعت على سالكها.
فمن هنا حملها عندي على معنى أبيت قال الشاعر [١٠] :
|
من سرّه ضرب يرعبل بعضه |
بعضا كمعمعة الأباء المحرق [١١] |
[١]الألاءة : واحدة الآلاء ، بوزن سحاب ، ويقصر ، وهو شجر مر يدبغ به وهو رملي حسن المنظر دائم الخضرة ، يؤكل ما دام رطبا. اللسان (١ / ١٠٥). مادة (أل أ).
[٢]الأشاءة : واحدة الآشاء ، وهو صغار النحل. اللسان (١ / ٨٦). مادة (أشى).
[٣]الأباءة : بوزن عباءة : القصبة ، وجمعها أباء. مادة (أب ي). اللسان (١ / ١٥).
[٤] أبو بكر محمد بن السري المعروف بابن السراج ، من أئمة البصريين ، كان تلميذ المبرد ، وقرأ عليه كتاب سيبويه ، وأخذ عنه أبو القاسم الزجاجي والسيرافي وأبو علي الفارسي والرماني ، توفي شابا سنة ٣١٦ ه.
[٥]الصلاية : مدق الطيب ، مادة (ص ل ا) اللسان (٤ / ٢٤٩٢).
[٦] العظاية : دويبة كسام أبرص جمعها عظاء ، ويرى سيبويه أن الياء في هذه الكلمة وما سبقها مبدلة وإن لم تكن متطرفة وعلل ذلك بقوله : لأنهم جاءوا بالواحد على قولهم في الجمع عظاء.
[٧]الأجمة : الشجر الكثير الملتف. (ج) أجم ، وإجام ، وآجام. اللسان (١ / ٣٤).
[٨]السّلوك : التصرف. مادة (سلك). اللسان (٣ / ٢٠٧٣).
[٩]البراز : الفضاء الواسع الخالي من الشجر. مادة (برز). اللسان (١ / ٢٥٥).
[١٠] الشاعر هو ابن أبي الحقيق كما ذكر صاحب اللسان في شرحه لمادة (رعبل).
[١١]يرعبل : يقال : رعبلت إذا مزقته ، ورعبلت اللحم : إذا قطعته. مادة (رعبل). المعمعة : صوت لهب النار إذا شبت بالضرام. مادة (م ع ع). اللسان (٦ / ٤٢٣٣). ـ