سرّ صناعة الإعراب - أبو الفتح عثمان بن جنّي - الصفحة ٦٥ - ذكر الحروف على مراتبها
وأما الصاد التي كالزاي ، فهي التي يقلّ همسها [١] قليلا ، ويحدث فيها ضرب من الجهر ، لمضارعتها [٢] الزاي ، وذلك قولك في يصدر يصدر ، وفي قصد قصد [٣].
ومن العرب من يخلصها زايا ، فيقول يزدر وقزد. وقالوا في مثل لهم : «لم يحرم من فزد له» أي فصد له. وتأويل هذا أن الرجل كان يضيف الرجل في شدة الزمان ، فلا يكون عنده ما يقريه [٤] ، ويشحّ أن ينحر راحلته له ، فيفصدها [٥] ، فإذا خرج الدم سخّنه للضيف ، إلى أن يجمد ويقوى ، فيطعمه إياه [٦] ، فجرى المثل في هذا ، فقيل : «لم يحرم من فزد له» ، أي لم يحرم القرى من فصدت له الراحلة ، فحظي بدمها ، يستعمل ذلك فيمن طلب أمرا ، فنال بعضه ، وتفسير «فزد له» أي : فصد له ، إلا أنه أسكن الصاد تخفيفا ، كما يقال في ضرب زيد : ضرب ، وفي قتل : قتل ، فلما سكنت الصاد ضارعوا [٧] بها الدال التي بعدها ، بأن قلبوها إلى أشبه الحروف بالدال من مخرج الصاد ، وهي الزاي ، لأنها مجهورة [٨] ، كما أن الدال مجهورة ، فقالوا : فزد. فإن تحركت الصاد لم يجز فيها البدل ، وذلك نحو صدر وصدف ، لا تقول فيه زدر ولا زدف ، وذلك أن الحركة قوّت الحرف وحصّنته ، فأبعدته من الانقلاب ، بل قد يجوز فيها إذا تحركت إشمامها [٩] رائحة الزاي ، فأما أن
[١]الهمس : وهو غير الجهر ، والمهموس من الحروف ما يضعف الإعتماد على مخرجه عند النطق به ، وعلامته أن يبقي النفس جاريا عند النطق به ، والحروف المهموسة عشرة ، يجمعها قولك : «حثه شخص فسكت». اللسان (٦ / ٤٦٩٩) ، مادة (ه. م. س).
[٢]المضارعة : المشابهة. اللسان (٤ / ٢٥٨٠). مادة (ضرع).
[٣] اعلم أن النطق بالصاد هنا وفي يصدر هو بين الصاد والزاي.
[٤]يقريه : ما يقدمه للضيف من الطعام. اللسان (٥ / ٣٦١٨). مادة «قرى».
[٥]يفصدها : يشق عرقها ليستخرج دمه فيشربه. اللسان (٥ / ٣٤٢٠). مادة (فصد).
[٦] الضمير عائد إلى الرجل السابق ذكره.
[٧]ضارعوا : شابهوا. اللسان (٤ / ٢٥٨٠).
[٨] المجهور : من الأصوات : صوت يتذبذب معه الوتران الصوتيان في الحنجرة ذبذبات منتظمة ، كالذال والدال مثلا. مادة (جهر).
[٩]الإشمام : عند جمهور النحاة والقراء : صبغ الصوت اللغوي بمسحة من صوت آخر ، مثل نطق كثير من قيس وبني أسد لأمثال : «قيل وبيع» بإمالة نحو واو المد ، ومثل إشمام الصاد صوت الزاي في قراءة الكسائي بصفة خاصة. اللسان (٤ / ٢٣٣٣) مادة (ش. م. م).