سرّ صناعة الإعراب - أبو الفتح عثمان بن جنّي - الصفحة ١١٩ - باب الهمزة
وروينا عن قطرب [١] ، عن أبي عبيدة أنهم يقولون : أل فعلت؟ ومعناه : هل فعلت؟ فأما ما أنشده الأصمعيّ من قول الراجز [٢] :
أباب بحر ضاحك هزوق [٣]
فليست الهمزة فيه بدلا من عين عباب [٤] ، وإن كان بمعناه ، وإنما هو فعال من أب : إذا تهيّأ ، قال الأعشى [٥] :
أخ قد طوى كشحا وأبّ ليذهبا [٦]
وذلك أن البحر يتهيّأ لما يزخر [٧] به. فلهذا كانت الهمزة أصلا غير بدل من العين ، وإن قلت إنها بدل منها فهو وجه ، وليس بالقوي.
* * *
[١] قطرب : أحد تلاميذ الخليل ، امتاز بالنشاط فلقبه بقطرب.
[٢] لم نعثر على قائل البيت فيما بأيدينا من كتب اللغة.
[٣]هزوق : هزق في الضحك هزقا ، وأهزق فلان في الضحك أكثر منه. اللسان (٦ / ٤٦٦٣). والشاهد فيه كلمة «أباب» فالهمزة فيها أصل كما ذكر المؤلف.
[٤]العباب : كثيرة الماء والسيل ، وارتفاع الموج واصطخابه. مادة (عبّ). اللسان (٤ / ٢٧٧٤).
[٥] الأعشى : سبق التعريف به.
[٦]طوى كشحا : يقال طوى كشحه إذا أضمر الشر لإنسان. مادة (كشح). اللسان (٥ / ٣٨٨١) أبّ : عزم على المسير ، وتهيأ له ، يقال : أببت أؤب أبا ، من باب نصر. والشاهد في قوله : «أبّ» فالهمزة فيه أصلية كما يرى المؤلف. هذا رأي ابن جني في أن الهمزة أصل ، مع أن إبدال الهمزة من العين كثير ، مثل : السأف من السعف ، ومثل ما رواه الفراء لبعض بني نبهان من طيئ : دأني في دعني ، وثؤاله في ثعاله ، ومثل ما روى من قول أهل مكة : يا أبد الله في يا عبد الله ، ويقول البغدادي في شرح شواهد شرح الشافية (ص ٤٣٥) : ولو استحضر ابن جني عدة الكلمات لم يقل ما قال ، ولا ذهب ابن الحاجب إلى ما ذهب ، ولعل الذي حدا بابن جني إلى ما قاله ، هو أنه وجد أصلا آخر للأبواب يمكن التخريج عليه ، كما ذكر هو.
[٧]يزخر : يمتلأ. مادة (زخر). اللسان (٣ / ١٨٢٠).