سرّ صناعة الإعراب - أبو الفتح عثمان بن جنّي - الصفحة ٣٧ - التمهيد
والظاء ، فقلبت الواو للكسرة قبلها ، والياء للضمة قبلها ، ولما تباعدت الألف منهما ، تباعدت الفتحة أيضا من الكسرة والضمة ، فلم تقو الفتحة في نحو سوط وحوض وبيت وقيد على قلب الواو والياء ألفا ، واحتمل لما ذكرناه من التّفاوت الذي بينهما ، ولخفّة الفتحة مجيء الواو والياء ساكنتين بعد الفتحة.
فإن قلت : فقد نرى الفتحة تقلب الواو والياء المتحركتين ألفا في نحو : قام وباع وخاف وطال ، وقد قدّمت من قولك أنّ الحركة في الحرف تقويه وتحصّنه ، فإذا جاز للفتحة أن تقلب الحرف المتحرّك القوي ، وهما الواو والياء في نحو : قام وسار ، فهلّا قلبت الحرف الساكن الضعيف في نحو بيت وشيخ وحوض وسوط.
فالجواب أن هذه مغالطة من السائل ، ودعوى [١] في سؤاله ، وذلك أنّ الواو والياء في نحو : قام وباع لم تقلبا ألفين ، لأن الفتحة قويت عليهما متحركتين ، فقلبتهما ، ولو كان ذلك كذلك ، لوجب قلب الواو ياء في نحو : عوض وحول ، وقلب الياء واوا في نحو : عيبة [٢] وسيرة [٣] ، بل كان ذلك مع الضّمة والكسرة أوجب ، لثقلهما وقوّة تأثيرهما.
وإنما كان الأصل في : قام قوم ، وفي : خاف خوف ، وفي : طال طول ، وفي : باع بيع ، وفي : هاب هيب ، فلما اجتمعت ثلاثة أشياء متجانسة ، وهي الفتحة ، والواو أو الياء ، وحركة الواو والياء ، كره اجتماع ثلاثة أشياء متقاربة ، فهربوا من الواو والياء إلى لفظ تؤمن فيه الحركة ، وهو الألف ، وسوّغها [٤] أيضا انفتاح ما قبلها.
فهذا هو العلّة [٥] في قلب الواو والياء في نحو : قام وباع ، لا ما ادّعاه السائل ، من أن الفتحة قويت على قلب الحرف المتحرك
[١] ودعوى : أي ما يدعي.
[٢]عيبة : الكثير العيب للناس ، كالعياب والعيابة. لسان العرب (٤ / ٣١٨٤) مادة (عيب).
[٣]سيرة : الكثير السير. قال ابن منظور : هذه عن ابن جني. لسان العرب (٣ / ٢١٦٩).
[٤]سوغها : جوزها. لسان العرب (٣ / ٢١٥٢). مادة (س. و. غ).
[٥]العلة : السبب ، والجمع علل ، علات. لسان العرب (٤ / ٣٠٨٠). مادة (ع. ل. ل).