سرّ صناعة الإعراب - أبو الفتح عثمان بن جنّي - الصفحة ٣٠٥ - باب الكاف
ومثله أيضا قوله عز اسمه : (أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلى قَرْيَةٍ) [البقرة : ٢٥٩][١] ذهب أبو الحسن إلى أن الكاف زائدة ، وعطف «الذي» على «الذي» من قوله (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْراهِيمَ فِي رَبِّهِ) [البقرة : ٢٥٨][٢] وأجاز أبو علي أن يكون الكلام معطوفا على المعنى ، وذلك أن معنى قوله (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْراهِيمَ فِي رَبِّهِ) : أرأيت كالذي حاجّ إبراهيم في ربه ، أو كالذي مرّ على قرية ، فلا تكون الكاف على هذا زائدة. وهذا وجه حسن.
فأما قول الآخر :
فصيّروا مثل كعصف مأكول [٣]
فلا بد فيه من زيادة الكاف. فكأنه قال : فصيّروا مثل عصف مأكول. فأكد الشبه بزيادة الكاف ، كما أكّد الشبه بزيادة الكاف في قوله تعالى (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ) إلا أنه في الآية أدخل الحرف على الاسم ، وهذا شائع ، وفي البيت أدخل الاسم ، وهو مثل ، على الحرف ، وهو الكاف ، فشبه شيئا بشيء.
فإن قال قائل : بماذا جرّ عصف؟ أبالكاف التي تجاوره؟ أم بإضافة مثل إليه ، على أنه فصل بالكاف بين المضاف والمضاف إليه؟
[١] هو عزيز أحد أنبياء بني إسرائيل. الشاهد فيها : أن الكاف في قوله (كالذي) زائدة للتوكيد.
[٢]حاج : أي جادل. والذي حاج إبراهيم هو النمرود بن كنعان. اللسان (٢ / ٧٧٩). الشاهد فيه : أن يكون الكلام معطوفا على المعنى. والتقدير : أرأيت كالذي حاج إبراهيم في ربه ، أو كالذي مر على قرية.
[٣]ذكر صاحب اللسان البيت في مادة (ع ص ف) دون أن ينسبه إلى قائله. العصف : دقاق التبن. مادة (ع ص ف) اللسان (٤ / ٢٩٧٢). الشاهد فيه قوله : (كعصف) حيث إن الكاف زائدة جارة ، ووظيفتها التوكيد. والتقدير بعد الحذف (مثل عصف مأكول). إعراب الشاهد : الكاف : حرف جر زائد مبني لا محل له من الإعراب. عصف : اسم مجرور بحرف الجر الزائد وعلامة الجر الكسرة.